الرئيسية » اخترنا لكم » انتخابات الرئاسة بين دلالة الأرقام وحرب الشائعات: أحمد ناجى قمحة

انتخابات الرئاسة بين دلالة الأرقام وحرب الشائعات: أحمد ناجى قمحة

2014-635375148889453463-945

أولاً: رؤية وتحليل للنتيجة العامة النهائية طبقاً للنتائج النهائية للإنتخابات الرئاسية عام 2014، فقد حقق عبد الفتاح السيسى فوزاً كاسحاً بحصوله على 96.9% من جملة أصوات المصريين الصحيحة فى الداخل والخارج الذين ذهبوا إلى صناديق الإقتراع،بينما حصل منافسه حمدين صباحى على 3.1%.
وكان الرئيس المعزول محمد مرسى قد حقق الفوز فى الإنتخابات الرئاسية لعام 2012 بنسبة 51.7% فى مقابل 48.3% للفريق. أحمد شفيق، وذلك فى إنتخابات مازالت تطولها شبهات التزوير ولم يبت القضاء فى الأمر حتى الآن.

وتعكس هذه النتيجة الواقع المحلى وتوجهات المصريين منه فى هذه اللحظة التاريخية التى تمر بها الدولة المصرية. ولعل ذلك ما يفسر الفرحة العارمة فى الشارع المصرى حتى ما قبل إكتمال الإعلان الكامل لهذه النتائج النهائية، فالملاحظ أنه منذ اليوم الثانى للتصويت والذى تم مده ليوم ثالث والشارع المصرى تسوده إحتفالات من قطاعات جماهيرية كبيرة فى مختلف المحافظات وميادين مصر المحروسة، إيذاناً بإعلان ثقة القطاع الأعظم من المصريين فى أن هذه النتائج ستأتى لإعلان تفوق المرشح الذى حرصوا على مطالبته بالترشح وضغطوا عليه كثيراً للقبول بهذا الأمر.

وهو ما توضحه نسب الإجماع غير المسبوق على شخص عبد الفتاح السيسى فى مختلف محافظات الجمهورية، فى صورة مزاج عام إتفق فى هذه اللحظة التاريخية على أنه لا يصلح لها إلا السيسى، وهذا من سوء حظ حمدين صباحى، الذى كان يمكن أن يحقق نتيجة أفضل لو لم يكن المرشح المنافس هو عبد الفتاح السيسى.

وتشير هذه النتائج النهائية إلى مشاركة 47% من جملة المصريين فى الداخل والخارج ممن لهم حق التصويت فى هذه الإنتخابات، تحققت هذه النسبة من مشاركة المصريين فى غياب مجموعة عوامل غاية فى الأهمية؛ الأول يتعلق بغياب إستخدام المال السياسى فى الإنتخابات بشقيه المادى (أموال) والعينى (الهدايا والزيت والسكر والأرز والسمن). ويتعلق الثانى بإنتفاء استخدام أدوات ممنهجة فى التزوير لصالح أى من المرشحين (كإستخدام الورقة الدوارة أو الناخب الدوار).

وثالث هذه العوامل يتعلق بعدم وجود دور لظهير سياسى رسمى منظم (حزب سياسى) يلقى بثقله ويعمل آلياته الدعائية والبشرية خلف أحد المرشحين.

أما رابع هذه العوامل فيتعلق بالحيادية التامة التى أدت بها مؤسسات الدولة دورها فى العملية الإنتخابية، فوسائل الإعلام القومية الرسمية التابعة للدولة من صحف وإذاعة وتليفزيون كان لديها الحرص الواضح منذ اللحظة الأولى لدوران عجلة الإنتخابات على الإلتزام بالحيادية التامة بين المرشحين، وكانت المؤسسات الأمنية حريصة على أن يكون همها الأول ضمان الأمن وتوفير الأجواء التى تسمح للمواطن بأن يدلى بصوته وهو يتمتع بكل وسائل الأمن، والمؤسسة القضائية قدمت نموذجاً متكاملاً من التضحية والنزاهة فى الإشراف على كل أبعاد العملية الإنتخابية وحاولت أن تحمى بكل الوسائل القانونية هذه الإنتخابات من أن تشوبها أية احتمالات للتشكيك فى نتيجتها أو الطعن عليها.

ثانياً:تحليل للنتائج وفقاً للتقسيم الإدارى

جاء إجماع المصريين على إختيار عبد الفتاح السيسى رئيساً وسط حالة من الهياج الإعلامى والشائعات التى سادت المجتمع المصرى حول تلك المشاركة بالأساس، وحول نوع المشاركين وأعمارهم.

غير أن تحليل النتائج، يدل على أن هذا هو المعدل الطبيعى لمشاركة المصريين التصويتبة عبر كل الإسفتاءات أو الإنتخابات المحتلفة التى شهدتها مصر منذ الإستفتاء على الإعلان الدستورى فى 19 مارس 2011 وما تلاه من استحقاقات. من جهة أخرى، فإن قراءة النتائج بغض النظر عن الإجماع غير المحدود على إختيار السيسى لا تدل على تحولات هامة أو ملحوظة فى نمط التصويت لمحافظات بعينها، أو حتى على نمط إبطال الصوت الإنتخابي، أو حتى على معدل المشاركة من إجمالى المقيدين. وهو مايتنافى مع الحالة الفوضوية والإنكارية وحتى محاولات الضغط على قرارات اللجنة العليا للإنتخابات فى أيام التصويت

هذه هى المحاور الرئيسية التى سيرتكز عليها التحليل وفقاً للتقسيم الجغرافى الإدارى للدولة، وهى:

1 ـ نمط التصويت.

2 ـ نمط إبطال الصوت.

3 ـ نمط المشاركة.

ملاحظات أولية

بداية، أتت الملاحظات حول مشاركة النوع، لتشير إلى مشاركة كبيرة من المرأة فى الإنتخابات، وهو أمر لن يمكن إقراره بصورة قاطعة إلا بعد الإعلان التفصيلى من قبل اللجنة العليا للإنتخابات، إلا أن المشاهدة التحليلية والمراقبة والمتابعة لعدد من اللجان، تؤكد أن المرأة المصرية بكل أعمارها وطبقاتها قد لعبت دوراً كبيراً فى هذه الإنتخابات مثلما كان الحال فى الإستفتاء الأخير على الدستور.

واقع الأمر أن مشاركة المرأة المصرية فى مجمل الحياة السياسية قد تعالت منذ جولتى الانتخابات الرئاسية فى 2012 وتحديداً مع الجولة الثانية، حيث أشارت معظم التقارير واستطلاعات الرأى العام إلى دور كبير وواضح للمرأة فى دعم الفريق. أحمد شفيق فى مواجهة د. محمد مرسي، كذلك تشير مراقبة أحداث ما قبل ثورة 30 يونيو 2013 إلى دور واضح للمرأة ونشاط مؤثر لها فى دعم الحركات والائتلافات وتجهيزها ليوم الثورة وما تلاه، وهو ما تحقق مع اندلاع ثورة 30 يونيو حيث كان صوت المرأة المصرية مسموعاً بوضوح فى جميع ميادين وشوارع مصر. وهو الأمر الذى يرجع إلى إحساس المرأة القوى بالمؤشرات الأولية على ضعف الدولة من تراجع الأداء الاقتصادى وتراجع معاملات الأمن الجنائى والمجتمعى والقومي، وإنعكاس ذلك على أسرتها وحياتها اليومية، إضافة إلى ما لمسته المرأة من مؤشرات واضحة لما ينتظرها من مستقبل تحت حكم جماعة كانت تسن القوانين وتضع التشريعات التى تقلل من قيمة المرأة ودورها فى المجتمع.

أما عن المشاركة وفقاً للفئات العمرية، فمن المؤكد أن الشباب الملهم لثورتى 25 يناير و30 يونيو، كان لديه من الحرص الكافى على المشاركة فى هذه الإنتخابات، غير أنه يبدو أن أطرافاً ما كانت حريصة على تمرير شائعات قوية حول عدم مشاركة الشباب فى الاستفتاء. ولا يعلم أحد كيف أمكن للبعض رصد وتأكيد انعدام المشاركة الشبابية طالما لم يتوفر فى بطاقة التصويت أى تسجيل لبيانات سكانية للمشارك وطالما لم يتوفر فى كل اللجان جهاز القارئ الإلكترونى لبيانات بطاقة الرقم القومي، ألم يشاهد الجميع كيف يحتفل الشباب المصرى بما وصل إليه فى الشوارع المصرية منذ ثانى أيام التصويت؟، ألم يدركوا أن هذه الإحتفاليات تعكس فخر الشباب المشاركين بها كونهم قد ساهموا فى صناعة مستقبلهم؟.

قد يكون الهدف الذى يرمى إليه الزاعمون بذلك هو تكريس الانقسام بين الشباب المصرى وتحديداً ما بين شباب ثورة 25 يناير وشباب ثورة 30 يونيو، أو ما بين الشباب الثائر على شبكات التواصل الاجتماعى وباقى الشباب المصرى الذى قد تحول مقدراته دون رفاهية امتلاك موقع على هذه الشبكات، أو قد يكون الهدف شحن القوى الشبابية على التكتل وراء هذه الشائعات بغية إعادة استغلال حماسة الشباب وتكتلهم من أجل إعادة انتاج ثورة فوضوية جديدة. كما بدأ يلمح مروجو هذه الشائعات. ولعل المتابعين لشبكات التواصل الاجتماعى قد هالهم ما ذهب إليه هؤلاء الناشطون الشبان من صب غضبهم على الفئات الأكبر عمراً وتوجيه الاتهام لهم بأنهم من دعموا وصول السيسى للمنصب.

وهذا الأمر، لا يعكس فقط قضية خلافية يمكن أن تعالج، بقدر ما يعكس تصوراً من بعض من هذا القطاع الشاب الناشط على هذه الشبكات لرغبته فى خلق تقسيم وصراع جيلى مدمر، كما يعكس رغبته فى احتكار الحقيقة وعدم احترامه لخبرات من هم أكثر دراية، بل ورفض التعامل مع هذه الخبرات والرغبة فى نفيها وفرض العزلة عليها. ولا يمكن أن يكون كل ذلك مبرراً لقطاع من الناشطين والإعلاميين من أجل تأجيج مشاعر الغضب فى نفوس باقى القطاعات من الشباب لاستغلالها فى مخططات تهدف إلى هدم الدولة أو الدعوة للثورة عليها.

فحتى هذه اللحظة لا يوجد نظام لكى يثوروا عليه أو يعارضوه، فقط انتهت مصر من إنجاز الخطوة الثانية على طريق خارطة المستقبل.

من ثم، فعلى القطاعات الأوسع من الشباب المصرى الوطنى عدم الالتفات إلى هذه الشائعات، وينبغى عليهم التأكد أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، فلا مبرر للخوف من عودة رجال زمن مضى أو لعودة الدولة البوليسية، وليكن يقين الشباب أن القانون هو الفيصل وأساس الحكم طالما هو قائم على العدل، أما عما يتردد من أن شباب الثورة معتقلون فالكل أمام القانون سواء وعندما يتحدى قطاع من الشباب القانون ويرغبون فى لى ذراع الدولة فلا مجال إلا تطبيق القانون، وذلك لحماية أركان الدولة من التفكك والانهيار.

الواقع أن المصريين بهذا الإجماع الكبير على شخص السيسى، يريدون أن يوصلوا رسالة للجماعة المحظورة الإرهابية بأنها انتهت شعبياً عبر صناديق الإقتراع، من خلال معدلات تصويت فى الإستفتاء على دستور 2014 أعلى من تلك التى تحققت على دستور 2012، مع الوضع فى الاعتبار أن من لهم حق التصويت قد زادوا ثلاثة ملايين مواطن تقريباً منذ 2012 وحتى الآن، ومن خلال معدلات مشاركة فى الإستحقاق الثانى لخارطة المستقبل (إنتخابات الرئاسة 2014) هى الأكبر دون إستخدام أدوات الخداع المنظمة، وذلك رغبة فى الوصول إلى مرحلة من الاستقرار والأمن يستعيدون من خلالها توازنهم النفسى الذى افتقدوه لثلاث سنوات مضت، ويبدأون فى بناء مجتمعهم وفقاً لمبادئ دستورية تراعى وتوفر الضمانات الاقتصادية والاجتماعية لفئات طالما عانت من التهميش، ولمجتمع حرم من حقوقه وحرياته السياسية.

تفسيرات الكتلة التى امتنعت عن التصويت

كتلة من المصريين قوامها 53% لم تذهب للتصويت، غير أن هذا الأمر لا يعنى بالضرورة أن هذه الكتلة على مجملها من المقاطعين أو الرافضين للمشاركة فى الانتخابات أو للرافضين للسيسى. فعندما ننظر إلى نسب المصريين الذين لم يذهبوا للاستفتاء على الإعلان الدستورى وتعديلاته (مارس 2011) أو على دستور 2012، والتى بلغت (58.9%) و(67.2%) على التوالى، أو حتى النسبة من المصريين (48%) التى لم تذهب للتصويت فى إنتخابات جولة الإعادة 2012، فما من شك أن بداخل الكتل الثلاث التى لم تذهب للتصويت نسبة ما ترفض ما يتم الاستفتاء أو التصويت عليه، ولكن من غير الممكن أن تكون النسبة على مجملها.

و هناك عوامل متعددة أفقدتنا نسبة لا بأس بها من الأصوات التى كان يمكن أن تكون إضافة لا خصماً من المصريين الذين شاركوا فى الانتخابات. يكمن أولها فى عملية التسويق السياسى للحث على المشاركة، والتى ارتكزت على العملية الإنتخابية باعتبارها بين إثنين من المرشحين ولم تذهب للتأكيد على أنها معركة وطن، وهو ما تم الإلتفات له فى آخر أسبوع قبل بدء عملية الاقتراع. أما ثانى هذه العوامل فيتمثل فى نجاح حملة الشائعات التى تم إطلاقها حول عودة رجال عصر مبارك، واضطهاد ثورة 25 يناير واعتقال رموزها، مما أثر على توجهات قطاعات أخرى من المصريين الذين استجابوا دونما تدقيق فى صحة ما يتلقونه. أما ثالث هذه العوامل والتى تم استغلالها من جانب نفس التيار الذى أطلق الشائعات السابقة، فيتعلق أيضاً بخطأ الحملتين الإنتخابيتين فى عدم التوجه بخطاب مختلف لمحافظات الحدود والصعيد، وهو ما إنعكس على نسب المشاركة ونسب الأصوات الباطلة، وهو أمر له دلالة هامة على مدى نفوذ تيار الإسلام السياسى بأشكاله المختلفة فى محافظات هى الأكثر تهديداً للأمن القومى المصرى. رابع تلك العوامل، يكمن فى السلبية الشديدة لدى قطاعات عريضة من المصريين عندما يشعرون بالطمأنينة على نتيجة أى معركة سياسية يدعون للمشاركة فيها، وهو ما تم التحذير منه ومن مغبة الوقوع فى براثن فخ «السيسى ناجح ناجح»، حيث أدى إيمان قطاع بذلك إلى عدم نزولهم للإنتخابات. أما العامل الخامس، فيكمن فى التصور الزائف فى قدرة وقوة حزب النور على توجيه السلفيين وحشدهم للتصويت، فالثابت أن حزب النور لم يقدم جديداً، أو أنه فاقد للسيطرة على القواعد المنتمية للتيار السلفى الجهادى تحديداً والمتاجرين بالإسلام بشكل عام. وأخيراً، عامل سادس ومهم يكمن فى التهديدات التى تم إرسالها من أرقام مجهلة للتحذير من النزول للتصويت، وعندما يضاف ذلك إلى المشاهد الإرهابية المتكررة كل يوم جمعة فى شوارع مصر وكل يوم فى الجامعات المصرية، فعلى ما يبدو أن هذا أيضاً قد أصاب قطاعاً آخر بتخوف من الوجود فى اللجان خوفاً من أى عمل إرهابى قد يحدث بين لحظة وأخرى.

الوجه البحرى أفضل مشاركة من الصعيد والحدود

وفى إطار ما هو معلن من اللجنة العليا وفقاً لمعيار التقسيم الإدارى والجغرافى للدولة المصرية، فنشير من حيث نسبة المشاركة ونمط التصويت ومعدلات إبطال الصوت الإنتخابي، إلى أن محافظات الوجه البحرى وخاصة وسط الدلتا ما زالت تحتل المرتبة الأولى مشاركة وتحققت بها أعلى نسبة حضور وأقل نسب إبطال تصويت، وذلك فى مقابل نسب حضور أقل بل متراجعة فى محافظات الحدود والقناة ـ باستثناء بورسعيد ـ والوجه القبلى الذى يضم المربع الذهبى الداعم للجماعة الإرهابية المحظورة وحلفائها فى الجيزة والفيوم وبنى سويف، وتأثيرات لذلك واضحة فى أسيوط وسوهاج وأسوان.

بداية يمكننا قراءة أن المنوفية والغربية والدقهلية والقليوبية من محافظات الوجه البحرى والقاهرة والإسكندرية من المحافظات الحصرية هى الأكثر فى نسبة الحضور بنسب تعدت الـ (50%) وبلغت أقصاها فى محافظة المنوفية بنسبة مشاركة بلغت (62.6%) وأقل معدلات إبطال الصوت (2.7%)، وعلى الرغم من أن نسب المشاركة فى القاهرة والإسكندرية من الأعلى على مستوى الجمهورية، فإنها قد قلت إلى حد ما عن نسب المشاركة فى 2012، كذلك ارتفعت بها معدلات إبطال الصوت ولكن ليس بالنسبة التى تبعث على القلق.

ونسب المشاركة تلك مقارنة بعدد من لهم حق التصويت، تشير إلى عدم اهتمام واضح من النسبة الأكبر من قاطنى المحافظتين. ففى القاهرة، يمكننا الحديث عن تأثير ما لدعوات بعض شباب الحركات الثورية الإحتجاجية لمقاطعة الإنتخابات، إضافة إلى التوجه المعروف عن سلبية تصويت أهل المدينة وخاصة العاصمة حال تقبلهم لفكرة الاطمئنان على النتيجة، وهو ما ساهم فى إحجام نسبة لا بأس بها عن النزول للمشاركة. هذا بالإضافة إلى تأثر قطاع آخر بدعوة إبطال الصوت وعدم منحه لا لحمدين ولا للسيسى، وهى الدعوة التى تبنتها ونشرتها الجماعة المحظورة من خلال حسابات مجهلة على مواقع التواصل الاجتماعى لا تدل على هوية صاحبها وحقيقة إنتماءه السياسي.

أما الإسكندرية، فتدل نسبة الحضور على إنتفاء أى تأثير كبير للجماعة السلفية التى تعد الإسكندرية المعقل الرئيسى لها، إلا لو فهمنا ذلك على أساس أن قيادات الجماعة السلفية وحزب النور فى واد وباقى الجماعة وأعضاء الحزب فى واد آخر، وهو الأمر نفسه الذى ينسحب على محافظات كفر الشيخ والبحيرة ودمياط التى كانت أكثر محافظات الوجه البحرى التى دعمت مرسى بقوة على حساب شفيق عام 2012 باستثناء الإسكندرية، والتى يبدو أن بها تأثيراً محدوداً للجماعة السلفية يميل أكثر إلى سلبية المشاركة طالما أن المرشح لاينتمى لفكرهم أو تيارهم، فى مقابل تأثير قوى فى باقى هذه المحافظات لأنصار الجماعة الإرهابية المحظورة وأيضاً لبعض المنتمين للتيار السلفي.

أما المحافظات الأكثر وجودا من حيث نسبة الحضور (الدقهلية، الغربية، القليوبية والمنوفية)، فعلى ما يبدو أن ما شهدته الدقهلية والغربية والقليوبية من أحداث عنف وإرهاب غير مسبوق وقتل لعدد من الشباب الثورى، إضافة إلى تعمد الجماعة أثناء حكمها لمصر من حرمان هذه المحافظات من العديد من الخدمات، قد دفع المواطنين فى هذه المحافظات إلى الخروج بكثافة عالية نوعاً ما للتأكيد رغبتهم فى نفى أى صلة تجمعهم بهذه الجماعة، وتظل القليوبية مميزة هنا بإرتفاع نسب الأصوات الباطلة بدرجة ملحوظة فى 2014 عن 2012.

وفيما يتعلق بمحافظات الحدود والقناة –بإستثناء بورسعيد لوضعيتها الخاصة وما عانته تحت حكم الجماعة الإرهابية-، فإننا نجد أنها ومحافظات الصعيد، قد شهدت تراجعات واضحة فى نسب المشاركة، وذلك فى الوقت الذى تزايدت بها نسب إبطال الصوت. وشهدت محافظة مرسى مطروح فى هذا الإطار أدنى نسب الحضور (27%) وأعلى نسب إبطال الصوت (8.7%).

ويمكن تفسير ذلك بمجموعة من العوامل المختلفة المشتركة بين أبناء هذه المحافظات دفعتها فى إتجاه هذا السلوك الإنتخابي، تتعلق أولاً بثقافة المجتمع فى هذه المحافظات، والتى تقلل كثيراً من فرص خروج المرأة للمشاركة فى العملية السياسية. ومن جهة ثانية، عدم الإهتمام بالمشاركة السياسية بصفة عامة لدى أبناء هذه المحافظات كرد منطقى على إهمال الدولة فى التعامل مع قضاياهم ومشاكلهم على مدى زمنى واسع، هذا بالإضافة إلى ما هو سائد فى كثير من التحليلات الاجتماعية من أن طبيعة شخصية قاطنى المحافظات الحدودية لا تميل إلى المشاركة بصفة عامة طالما لم يتم المساس بالأرض أو العرض. ومن جهة ثالثة، تدل محدودية نسب المشاركة وزيادة نسب إبطال الصوت فى مقارنة عكسية مع ما كان سائداً فى فترة حكم الجماعة الإرهابية، إلى قدرة تيار الإسلام السياسى على إختراق هذه المجتمعات وحشد مواطنيها لتبنى أفكارهم سواء بالدعم المادى المباشر أو الدعم العينى أو فرص التوظيف لمجتمعات عانى أبناؤها كثيراً من تردى أوضاعهم على كل الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والتوظيفية.

ومن جهة رابعة، هناك أسلوب خاطئ قد تم التعامل به مع كبار العائلات فى هذه المحافظات، فالعائلات الكبيرة مثلها مثل القبائل لديها قدر كبير من القدرة على حشد أبنائها، ولسنوات طويلة كان ذلك يتم عبر تنظيم الحزب الواحد فى عهد جمال عبد الناصر، أو عبر الحزب الوطنى فى عهد السادات ومبارك، ومن ثم يثار تساؤل حول حتمية وجود تنظيم سياسى ما يستطيع مرة أخرى مد جسور الثقة مع كبار هذه العائلات ودفعهم لإعادة تفعيل دورهم فى الحياة السياسية.

وفيما يتعلق بالوجه القبلى بالتحديد، نجد أن الأمر المميز فى النمط التصويتى والسلوك الإنتخابى هو وجود ما يمكن أن نطلق عليه المربع الذهبى لأنصار الجماعة وأتباعها فى محافظات الجيزة، وبنى سويف، والفيوم، والمنيا، حيث تشكل هذه المحافظات وفقاً لخريطة التصويت منذ الاستفتاء على الإعلان الدستورى مارس 2011 وحتى الآن أرضاً خصبة تصب نتائجها فى مصلحة هذا التيار، وقد امتد تأثير هذا المربع الذهبى ليشمل محافظتى أسيوط وسوهاج.

وفيما يتعلق بالأقصر وقنا فيبدو أن التدهور الذى شهده قطاع السياحة والذى إنعكس على اقتصاديات المواطنين قد أدى إلى التقلص بصورة تدريجية فى المشاركة السياسية، حيث كانت الأقصر صاحبة أعلى معدلات المشاركة مقارنة ببقية محافظات الصعيد والأقل فى معدل إبطال الصوت الانتخابى، بينما كانت قنا صاحبة معدل التصويت الأعلى مقارنة بانتخابات 2012، وإن ظلت فى نسبة أقل من معدل المشاركة فى الأقصر.

أما محافظات القناة، فيبدو أن السويس والاسماعيلية كانتا كحال محافظات الوجه القبلى ومحافظات الحدود، من أكثر محافظات الجمهورية تراجعاً فى نسب الحضور وأكثرها إبطالاً للصوت. وتظل بور سعيد بعيدة عن النمط والسلوك التصويتى لمحافظات القناة بعد ما شهدته من أحداث دامية طوال فترة حكم الجماعة الإرهابية وكونها مدينة إستثمارية هددت مصالحها بقوة طوال هذه الفترة.

وأخيراً، إذا كانت هذه الخريطة التصويتية متعارفا عليها منذ بدء استحقاقات ما بعد يناير 2011، فيحق لنا أن نعيد التساؤل عن الدور الحقيقى لأحزاب سياسية مدنية ليبرالية أو اشتراكية كثيراً ما ادعت المظلومية، ومحدودية قدرتها على الحركة فى ظل نظام الحزب الواحد المسيطر أو المهيمن، أين هى من تغيير هذه التركيبة التصويتية التى يبدو أن الجماعة وأنصارها من الجماعات الإسلامية والسلفية الجهادية مازال لها صوت مسموع بها؟ الحل يكمن فى دعم تكوين تكتلات حزبية واضحة تضم فاعلين سياسيين قادرين على العمل السريع فى محافظات الحدود والقناة والصعيد، وتقديم بعض الأعمال السريعة التى تعيد الأمل فى الدولة فى نفوس أبناء هذه المحافظات، مع تفعيل كبير لآلية التواصل مع كبار العائلات وإعادة الاعتبار لهم وسط مجتمعاتهم.

الاهرام