الرئيسية » أخبار مهمة » حرب ضدّ الجغرافيا !

حرب ضدّ الجغرافيا !

بُدِّلت المكرمات بالملامات والتعيير. بُخلاءٌ إنْ أعطوا ملكوا أو استرجعوا. يفاجئنا في كل يوم آل سعود بطلب جديد، تعويضاً عن هِبات اشتروا بها في الواقع نفوذاً سياسيّاً مكّنهم من ارتهان بلاد الأرز، فتفاقمت أزمات نظامها المتحجّر رغم ادّعاء زعماء الطوائف وأمراء الحرب بالحداثة والفطنة وبعد النظر! إلى أن وصلنا إلى وضع يُجيز لنا أن ننعت الدولة اللبنانية بالفاشلة. ولكنّ اللبنانيين لا يملكون، بحسب رأيي، الوسيلة والمؤسسات التي يحتكمون إليها لمقاضاة المسؤولين عن فشلهم! مهما يكن هذا موضوع آخر!
ليس آل سعود راضين عن الحكومة في لبنان، لأنّها تضمّ وزراء يمثّلون المقاومين ضدّ المستعمرين الإسرائيليين. المقاومة بمفهومهم إرهاب. هم لا يريدون في لبنان جيشاً لا يمنع مقاتلي حزب الله من نصرة الجيش العربي السوري الذي نصرهم في الحرب ضدّ الإسرائيليين. هزؤوا بالعلم اللبناني. «إذا أتتني مذمّتي من ناقص!»، كأنّ إشهارالشعارات الدينيّة على الرّايات دليل على الإيمان، فضلاً عن أنّ هذه الشعارات هي في جوهرها كلام منطوق في عبادات الفرد وليس لها دلالات سياسية. ناهيك بأنّها ملك لجميع أتباع الدعوة الدينية، وبالتالي لا يحق للحاكم استخدامها دمغة لسياسته. وأخيراً، احتجّ آل سعود على الإعلام اللبناني، ادّعوا على الصّحف أمام المحاكم، منعوا بعض القنوات اللبنانية من أن تبثّ برامجها على الأقمار الصناعية التي اشتروها بأموال النفط ومارسوا الضغوط ابتزازاً على الحكومات التي تأمل بالحصول على مكرماتهم، من أجل أن تحذو حذوهم في التضييق على وسائل الإعلام اللبنانيّة.
كان بالإمكان اعتبار هذا كلّه من صلب سياسة شراء الولاءات المعروفة، التي يتبعها عادة شيوخ المجتمعات القبلية المتخلّفة، لولا تجاوز آل سعود حدود علاقتهم بالزعماء والوجهاء اللبنانيّين واتّخاذهم إجراءات تعسّفية تمسّ في أوضاعهم المعيشيّة مهاجرين لبنانيين في نجد والحجاز وفي بلاد الخليج، لـيس بقـصد الإضرار بمقاتـلي المقاومة اللبـنانـية وحسب، وإنّما رغبة في إفقار وإضعاف وتخريب مجتمع أو بيئة لبنانية في سياق عقاب جماعي لها، كون المقاومة ضدّ احتلال الإسرائيليين وضدّ اعتداءاتهم وُلدت في هذا المجتمع الذي وجد نفسه في مواجهة الأعداء وقد تخلّى عنه شركاؤه في الوطن وفي العروبة وفي الدين على حدّ سواء!
من البديهي أنّ كل محسوب على المذهب الشيعي، بعلمه أو من دون استشارته، ليس بالضرورة مؤيّداً لحزب الله. آل سعود يعرفون ذلك تمام المعرفة، ولا سيّما أنّ المتعاونين معهم من الشيعة كثيرون في لبنان، وهؤلاء الأخيرون هم الأعلى صوتاً أحياناً في الافتراء والتطاول على المقاومة. هذا لا يمنع أنّ الأخبار تتوارد يوميّاً عن شروع آل سعود ومشايخ الخليج في تطبيق سياسة ترحيل المهاجرين الشيعة. بمعنى آخر، نحن حيال حرب سعودية اقتصادية ضدّ الشيعة في لبنان. ربما تكون امتداداً للحرب الاقتصاديّة الأميركيّة ـ الأوروبيّة. على الأرجح سيكون الشيعة مضطرين إلى تحمّل تبعات هذه الحرب وحدهم، مثلما كانوا وحيدين في مواجهة المستعمرين الإسرائيليين.
يلزم التذكير هنا، لعلّ الذكرى تنفع، أنّ أهل الكويت طردوا الفلسطينيين بعد أن حرّر الأميركيّون الكويت من قبضة العراقيين! أتساءل لماذا طـُرد الفلسطينيون من الكويت؟ هل كانوا جميعاً مؤيّدين للسياسة العراقية؟ هل كان الفلسطينيّون جميعاً متّفقين مع السياسة التي اتّبعتها منظمة التحرير؟ الإجابة عندي بالنّفي على السؤالين! تحسن الإشارة أيضاً في السياق نفسه إلى أنّ الفلسطينيين أُجبروا بعد احتلال الأميركيّين للعراق على الرحيل عنه. لماذا؟
الرأي عندي أنّ الفلسطينيّين تعرّضوا، في موازاة الحروب على العراق، لحرب اقتصادية. كانت الغاية هي إخضاعهم وإسكاتهم. لا أعتقد أنّي أُبالغ في القول إنّ الفلسطينيّين يعتمدون كثيراً على المساعدات الخارجية الأوروبية. على أجور موظّفي الأجهزة الأمنيّة! أمّا في السياسة، فإنّ المنافذ تبدو في الرّاهن مسدودة إلى أجلٍ غير مُسمّى!
إنّ تمييز اللبنانيّين الشيعة من اللبنانيين غير الشيعة ظاهرة خطرة جداً، فقد تكون عواقبها ضارّة بجميع اللبنانيّين. ينبني عليه أنّ مقاومة هذا التمييز هو واجب وطني، بالضدّ من قبولها الذي يمثّل، من وجهة نظرى، انتحاراً وطنيّاً وذروة في الغباء السياسي. لو وجد المهاجر الاقتصادي عملاً في بلاده لما هاجر. ولكن إذا لم يجد عملاً، وإذا مُنع من الهجرة، صار الوطن في نظره كمثل السجن! لا يوجد سجين يحب سجنه، خصوصـاً إنْ كان بريئاً!
هل المطلوب هو أن يتخلّى اللبنانيون الشيعة عن مقاومة المستعمرين الإسرائيليين وأن يتنازلوا عن أرضهم، وأن يقتاتوا فتات «المنظّمات غير الحكوميّة» الأوروبيّة في مخيّمات اللاجئين؟

ثريا عاصي