الرئيسية » رأي وتحليل » مشير عون: أهؤلاء هم اللبنانيون ؟

مشير عون: أهؤلاء هم اللبنانيون ؟

رغم مرور أكثر من ستة وعشرين عامًا على انتهاء الحرب الأهلية، إلا أن مسبباتها وتداعياتها لا تزال تتمظهر تخبطاً واعتلالاً في الكيان اللبناني. لقد أفرزت الحرب جيلًا مستنفَد الطّاقة، يتخبّط في أتون الأزمات، ولا يستطيع العيش إلا في جلباب الزعامات. وإذ يستشري الفساد في مختلف القطاعات، فإن الوضع يزداد سوداوية عما كان عليه قبل الحرب وخلالها. فالطائفية ليست هي الداء الوحيد الذي يفتك بالمجتمع اللبناني، إنما هناك الكثير من العلل التي نخرت المنظومة الاجتماعية وخلخلت أسسها؛ بحيث صار مشهد الفساد أمرًا مألوفًا غير مستنكر، تطبع معه المواطن وتآلف معه الناس.
في كتابه «أهؤلاء هم اللبنانيون؟» الصادر حديثا عن دار سائر المشرق، يتخطى مشير عون دور توصيف الأزمة اللبنانية إلى تشريحها، وفق المنهج التحليلي القائم على التعامل مع الظاهرة من خلال إرجاعها إلى أبسط عناصرها المكونة لها. كما يعمد عون إلى تصويب مسار الفهم لبنية هذه الأزمة من خلال التفكيك بين المسببات والنتائج والخروج من اللبس السائد في عدم التمييز بينهما. فالشعب في لبنان ليس مجرد ضحية بل هو شريك في الجريمة. والحرب ليست سبباً في إضعاف الدولة بل الدولة المعتلة هي السبب في نشوب الحرب. والفساد السائد ليس بسبب انعدام العلة الموجبة للانتظام في إطار الشأن العام، إنما تأصل العلة الفاسدة في بنية السلطة والإدارة هو المسؤول الأول عن استشراء الفساد في البلاد والعباد. فيخلص المؤلف إلى إطلاق حكم خارج المتوقع والمألوف؛ يضع فيه اللبنانيين في خانة هي أقرب إلى العدمية والسفسطة والعبثية من خلال اعتباره «إن اللبنانيين معادون للحقيقة. في لا وعيهم الباطني خطب جليل يملي عليهم أن ما من حقيقة على وجه البسيطة».
الكتاب عبارة عن محاولة ناجحة لتفكيك الظاهرة اللبنانية المترابطة في مكوناتها السلبية إلى حد التماهي، والمتحللة في عناصرها المطلوبة إلى حد التلاشي. ذلك أن بنية الاجتماع اللبناني تتقوم من عناصر عديدة يقوم كل واحد منها على حالة ضدية بين المعنون وعنوانه، بما يؤدي إلى خلق «معاثر مقلقة في الذات اللبنانية المضطربة». يرى الكاتب أن اللبنانيين في «الفكريات» لا يكترثون لسلامة العمارة الفكرية في تدبير وجودهم الإنساني. وفي «الوجدانيات» يكابدون» أقسى أنواع التنازع الكياني.. وهم في حالة إنعدام الإحساس في الوجدان اللبناني». ويشير إلى أن المجتمع اللبناني، فيما خص «الدينيات» يعيش ضربا من الانفصام المرضي بين الفكر والقول والفعل، وأما بالنسبة إلى «السياسيات» فيرى عون أن اللبنانيين قد بلغ بهم الأمر بسبب السياسة حد «تشويه مراتب المعنى في الوجود.. وأنهم موبوءون بجرثومة السلطة ولا يعنيهم الوطن بل التربع على عرشه»، وينتهي إلى الحديث عن الاجتماعيات اللبنانية حيث يرى أن «اللبناني يحرص الحرص كله على نجاح الظاهر، ويعرض الإعراض كله عن سلامة الباطن.. وأنه يعيش التواء في المعايير وظاهرية في التعابير وسطحية في التصرفات».
خلاصة الكتاب هي أن اللبنانيين يتخبطون بسبب انفصام في شخصيتهم، حيث تتملكهم الديكتاتورية ويتوقون إلى الديموقراطية، ولكنهم لا يفعلون شيئا لإنهاء هذا الصراع، فيعيشون متأرجحين بين هوّتين، وهم معرضون إلى السقوط في كل آن. فلبنان «ليس فعل إيمان ديني حتى يشعر المرء بأن الركون إلى شيء من الرجاء الماورائي قد يعينه على تجاوز عثرات الحياة اليومية».. ليخلص الكاتب الى ضرورة إنقاذ لبنان من خطر التفكك والانحلال عبر تبني العلمانية المعتدلة مخرجًا من المأزق، وإلا فإن لبنان الإنسان ولبنان البيئة ساقطان في التهلكة.
حبيب فياض