الرئيسية » أخبار مهمة » أشباح صفقات جنيف السرية.. هل تُبنى التسوية على “مجلس عسكري”؟

أشباح صفقات جنيف السرية.. هل تُبنى التسوية على “مجلس عسكري”؟

هواجس المتخوفين من صفقات في الملف السوري، من تحت طاولة مفاوضات جنيف، لم تعد مجرد تخيلات. هناك أحاديث متواترة عن تفاهمات روسية – أميركية يجري نسجها في صيغة “مجلس عسكري”، يمكن أن يأتي كمقدمة لحل سياسي أشمل.

المعارضة ذاتها المدعومة من الغرب، بعضها يجزم وبعضها ينفي، التحفظ قاسم مشترك بين النظام والمعارضة، لكن الجميع يخشون صفقات سرية مفاجئة يمكن أن تخرج من الصندوق الأسود للتفاهمات مع موسكو، تماماً كما في كل التسويات التي تلي الصراعات الكبرى. وفي هذا السياق، يجري الحديث ايضا عن “مجلس رئاسي” يضم الرئيس ونواباً له، ويجري التداول في أفكار اخرى من بينها “المجلس الانتقالي” الذي يضم شخصيات تمثيلية لتولي شؤون المرحلة الانتقالية.

ولا شيء يبدد الشكوك العميقة بأن هناك ما يجري في الخفاء، بالتوازي مع مسار مفاوضات جنيف. مصادر في المعارضة السورية تؤكد، لـ “السفير”، أن الأمر يتجاوز مجرد اجترار التخوفات من صفقات سرية. تقول المصادر إن “المجموعة الدولية قطعت أشواطاً في عملية تشكيل مجلس عسكري يكون العنوان العريض للتسوية في سوريا. المسعى تقوده واشنطن وموسكو، لكن الدول المؤثرة في الحرب منخرطة أيضا”.

أما بالنسبة لمجمل ما تحقق في هذا المسار إلى الآن، فتوضح المصادر أن “العمل على فكرة المجلس لم يبدأ الآن، بل مستمر منذ ثلاث سنوات، والآن وصل إلى مراحل متقدمة”، قبل أن تضيف “ما نعرفه أن هيكلية المجلس العسكري مصممة بحيث يكون لقيادات عسكرية من النظام 70 في المئة منه، وهناك مفاوضات جرت فعلاً مع ضباط منشقين في تركيا والأردن، كما يجري البحث عن ممثلين لفصائل معارضة في الداخل”.

وجود الضباط المنشقين في تركيا والأردن لطالما كان محاطاً بالغموض. مرت سنوات الحرب لكنهم بقوا بعيدين عن الواجهة، خصوصاً في الأردن، فيما خرجت تقارير عديدة عن تقييد حركتهم داخل مخيمات خاصة بهم في تركيا. تتحفظ المصادر على ذكر أسماء محددة، لكنها تؤكد وجود «قوائم» بأسماء الضباط المرشحين لقيادة “المجلس العسكري” من الطرفين.

لم يتوقف عنوان “المجلس العسكري” عن التردد، خصوصاً خلال الأشهر الأخيرة، ليشكل أحياناً نقطة التقاطع الوحيدة بين الرؤى المختلفة، وحتى المتعارضة، لأطر الحل الممكنة.

حينما كان المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا يصوغ الإطار التنفيذي لتطبيق بيان جنيف، كان واضحا أن صيغة “المجلس العسكري” هي الأكثر نضوجاً وقابلية للتطبيق في قناعته. تحدث عن أهمية شموله لأكبر تمثيل ممكن “عن الأطراف المقاتلة التي تتمتع بحضور كبير”، ليكون عنواناً جامعاً لا يأتي ليقصي بل ليعمل بالتنسيق مع “كل البنى العسكرية المحلية القائمة”.

أما المهام التي وضعها تصور دي ميستورا حينها في عهدة “المجلس العسكري”، فهي تتحدث عن نفسها لجهة وزنه: قيادة “كل العمليات العسكرية التي تقدم عليها الأطراف”، ضمان احترام وقف إطلاق النار، المحاربة المشتركة للتنظيمات الإرهابية، استعادة وحدة الأراضي السورية.

من يقولون إن العمل على تشكل “المجلس” وصل “مراحل متقدمة”، يرونه مستمداً من الفلسفة التي عمل عليها ممثل الأمم المتحدة منذ البداية: البناء من أسفل إلى أعلى، عبر التعويل على إنجازات ميدانية تؤسس لبناء التسوية السياسية. ويقولون أيضاً إن الإنجاز الملموس الوحيد الذي تم إلى الآن هو الهدنة. صحيح أنها مؤقتة، لكنها وفق تقديرهم المرة الأولى التي التزم فيها طرفا الصراع بتطبيق تفاهم دولي، بعدما أفسحت مجالاً للعمل في حلقة تضم عسكريين من طرفي الصراع تحت مظلة الراعيين الدوليين. باختصار، كانت أول خلية عمل مشتركة تنجز شيئاً ملموساً على أرض الواقع.

ممثلو وفد المعارضة عن مؤتمر القاهرة قدموا مبادرة تستلهم نموذج خلية عمل إنجاز الهدنة. المعارض السوري جهاد مقدسي عرض في جنيف مقترحاً، دعمته موسكو، يتحدث عن خمس هيئات تشكل “مؤسسة كاملة للحكم الانتقالي». ركز مقدسي أيضاً على دور «المجلس الوطني العسكري”، موضحاً أنه “سيتولى دمج الفصائل المسلحة الموافقة على الحل السياسي وغير المصنفة إرهابية. أيضاً سيتولى محاربة الإرهاب بين أطياف الشعب السوري”.

تلك العناوين العريضة كانت الأساس الذي تمت صياغة الهدنة فوقه. صحيح أن مقدسي يضع “المجلس” تحت إمرة الحكومة الانتقالية، لكن لا شيء يؤكد إن كان سيأتي قبلها أم بعدها. الترتيبات العسكرية للهدنة استبقت إطلاق جولات جنيف جديدة، كما أن الأجندة الدولية، بما فيها الأميركية والروسية، تلتقي على أولوية هذه الترتيبات العسكرية لتوجيه الجهود باتجاه محاربة “داعش”.

مقدمات كثيرة لم يعد معها الحديث عن تسبيق العسكري على السياسي نشازاً. يقول قيادي معارض، لـ “السفير”، إن قضية “المجلس العسكري طرحت فعلا”، قبل أن يستدرك “لكنها لم تعد مبررة الآن». يوضح أن الطرح تم تداوله بنشاط قبل أشهر، تحديداً قبل تشكيل الهيئة التفاوضية للمعارضة في الرياض نهاية العام الماضي. لكن الآن كما يقول «صارت الفصائل المسلحة تتصدر المشهد في جنيف، باعتبارها قسماً مهماً من الهيئة التفاوضية، ولم يعد هناك ما يبرر الحاجة لمجلس عسكري، بدليل أن الهيئة التفاوضية أمكنها ضمان تنفيذ الهدنة والتقيد بها، رغم بعض الخروقات”.

لكن القيادي المعارض لا يخفي أنه كان لديهم على الدوام شكوك بأن هناك ما يُنسج خارج إطار جنيف. تلك الشكوك حملتهم قبل أشهر لوضعها مباشرة أمام مسؤولين أميركيين التقوهم في اسطنبول: “سألناهم بوضوح هل هناك أوسلو للمسار السوري أيضا؟»، في إشارة لمسار اللقاءات والتفاهمات السرية التي قادت للاتفاق بين السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي. لكن رد ممثلي واشنطن أصرّ على الطمأنة، كما يقول محادثنا: “المسؤولون الأميركيون بادروا مباشرة إلى إنكار ذلك تماماً. قالوا لنا إنه لا يوجد غير هذا الإطار الذي نتباحث معكم حوله”.

تلك التأكيدات لم تنجح في تبديد المخاوف. يقول القيادي المعارض “نعرف من خبرتنا أن هناك بالتأكيد أناساً تعمل على سيناريوهات مختلفة ومسارات أخرى، لكن الحديث عن صفقات سرية، لا أعتقد أنه وارد الآن، لأن الأمور ليست ناضجة بعد”.

طروحات “المجلس العسكري” ليست بتحليق خارج السرب إذا ما قيست بطروحات من يقودون العملية التفاوضية. دي ميستورا فاجأ وفد المعارضة السورية في جنيف بمبادرة لافتة: بقاء الرئيس السوري بشار الأسد، مع نقله بعض صلاحياته لثلاثة نواب يعينهم للشؤون العسكرية والأمنية والمالية.

ليس الطرح وحده اللافت، بل سياقه أيضاً. المبعوث الدولي أقرّ للمعارضين بأن هذا المقترح يأتي “من خارج” الإطار التفاوضي الجاري، مبيناً أنه مقترح “تم نقله إلي”.

ورغم أن المقترح رفضته معارضة الرياض مباشرة، لكن شكوكاً كثيرة أثيرت حول مقترح تم إسقاطه مظلياً فوق طاولة جنيف. ويقول مصدر معارض إن كلام دي ميستورا “خلط الأوراق بالنسبة لنا، لم يقل لنا مكان المقترح بالنسبة لعملية جنيف، لكنه قال حرفيا: إنه مقترح تم نقله إلي”. لا يمكن تأكيد شيء، لكن المبادرات التي يقدمها المبعوث الدولي تأتي عادة من صندوق التفاهمات الروسية والأميركية.

ومعلوم أن الاتصالات الأميركية – الروسية حول الشأن السوري تكاد لا تنقطع. لقاءات وجهاً لوجه في جنيف وغيرها. بالأمس جرى اتصال هاتفي بين الرئيسين الاميركي باراك اوباما وفلاديمير بوتين لتأكيد التمسك بالهدنة بعد ساعات على إعلان المعارضة الموجودة في جنيف عن نيتها تأجيل المفاوضات، وذلك غداة تهديد فصائل مسلحة ممثلة في جنيف، بالتصعيد العسكري، وهو ما شهدته بالفعل عدة جبهات سورية أمس. خلال الايام الثلاثة الماضية، صدرت مواقف عدة من شخصيات معارضة تهدد فيها بالانسحاب اذا طرحت على طاولة المفاوضات اقتراحات تخالف متطلبات هؤلاء وما يعتبرونه أولوياتهم السياسية بما في ذلك الدخول مباشرة في تطبيق المرحلة الانتقالية وإبعاد نظام الرئيس الاسد وإطاحة الأجهزة الامنية والعسكرية القائمة.

والسؤال الآن هو: هل الاستياء بين وفد معارضة الرياض مرده الى استماعهم الى اقتراحات لا تلائم طموحاتهم؟ وهل يفعلها «المجتمع الدولي» ويخرج من جعبته مفاجأة للتسوية؟ هناك سوابق فاقعة ولا تزال طازجة. الغربيون دعموا حوار أطراف الصراع الليبي، ثم أسقطوا عليه فجأة حكومة «وحدة وطنية» من خارج اتفاقات مفاوضاتهم. رفضها طرفا «الوحدة الوطنية»، برلمان طبرق وبرلمان طرابلس، فتم معاقبة رأسيهما أوروبياً. الحكومة المدعومة غربياً فُرضت بقوة داعميها، ثم نقلت لتعمل تحت الحماية من قاعدة عسكرية بحرية. حينما سُئل مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارت كوبلر شرح هذه المفارقة الكاريكاتورية، قال إن هناك حالة طوارئ تستدعيها: “الأمر يشبه سيارة إسعاف تسير الآن من دون رخصة قيادة”.

هل هناك حالة طوارئ في سوريا بالنسبة للغرب؟ هناك الحديث عن الحاجة لتطويق الحرب لمصلحة أولوية محاربة “داعش” وتقليل تدفقات اللجوء إلى أوروبا. هل يستدعي ذلك «سيارة إسعاف» مشحونة دولياً، من قبيل «مجلس عسكري»، تحصّل رخصة القيادة لاحقا؟

ليس هناك أجوبة باتة. مصدر مقرب من الوفد السوري في جنيف قال لمراسل “السفير” في دمشق الزميل زياد حيدر إن فكرة تشكيل مجلس عسكري مشترك “لم تطرح” في النقاش الدائر مع الوسيط الدولي، سواء في لقاءات الجولة الحالية أو ما سبقها، رافضاً التعليق على أفكار «غير متداولة رسمياً» في المحادثات.

رد وفد المعارضة جاء من طينة التحفظ ذاتها تقريبا. المتحدث باسم “الهيئة العليا للمفاوضات” منذر ماخوس اعتبر ما تردد عن المجلس العسكري «مجرد شائعات»، مؤكدا حينما سألته “السفير” انه “لا تعليق لأنها شائعات”. أما الوقائع بحسب ماخوس فهي أن “لدينا تصوراً عن هيئة حكم انتقالية بصلاحيات واسعة، ستشمل في ما تشمل إعادة صياغة شاملة لجهازي الأمن والجيش لكي يضما القوى الثورية والجيش الحر، فلن نقبل باستمرار هذين الجهازين كما هما”.

لكن حلفاء للمعارضة لم يعودوا متمسكين بصيغة هيئة الحكم الانتقالية، لجهة كونها تسليماً للسلطة ينهي دور الأسد. حينما سألت “السفير” مسؤولاً أوروبياً رفيع المستوى عن الخلاف المستمر حول مظلة التسوية، إن كان حكومة أم هيئة انتقالية، اعتبر أنه لا صيغ مسبقة على نتائج المفاوضات. قال من دون تأخير “ما يحدث في مفاوضات جنيف لا يحمل أي مفاجأة لنا، فالحكومة تريد البقاء في السلطة، والمعارضة تريد إخراجها منها”، قبل أن يضيف “أما ماذا يعني الانتقال السياسي بالضبط فهناك خيارات، وهذه الخيارات سيتم الاتفاق عليها نتيجة للمفاوضات الجارية”.