الرئيسية » رأي وتحليل » السعودیة.. الصراع بین هیئتین (1) … هل يعود السعوديون الى انسانيتهم .. ومتى ؟
السعودیة.. الصراع بین هیئتین

السعودیة.. الصراع بین هیئتین (1) … هل يعود السعوديون الى انسانيتهم .. ومتى ؟

أثار الاعلان عن تأسیس هیئة عامة للترفیه، ضمن حزمة تغییرات طالت الحكم في السعودیة نهایة رجب الأصب ( قبل 17 یوما بالتحدید) جدلا واسعا داخل البیت السعودي وخارجه.. خاصة وانه جاء بُعید اوامر بتحدید صلاحیات الهیئة العامة للأمر بالمعروف السیئة الصیت.

اذا هو صراع بین هیئتین، احداهما حكمت المجتمع السعودي منذ اكثر من ثمانیة عقود باشكال مختلفة من القمع والقهر والجمود والرجعیة، للحد الذي جعل كهنتها یحرّمون حتی قول “رمضان كریم”! ویفسقون كل المجتمع ما عدی من هم علی شاكلتهم.. وهیئة اخری مستحدثة ترید ان تعید للمواطن انسانیته التي افتقدها في ظل التحالف غیر الشرعي بین نظام القبیلة (آل سعود) والمؤسسة الدینیة (الوهابیة).. لكن اعادة الانسانیة للمواطن في السعودیة ـ كما عبر عن ذلك الكومیدي السعودي ناصر القصبي ـ ینطوي علی مخاطر عدیدة للنظام.
وقبل الخوض في المخاطر فانه تعبیر عن:
1-  شدة الإزدواجیة بین دعامتي الحكم: أي التباین السلوكي بین المؤسسة الدینیة من جهة والمؤسسة السیاسیة (علی مستوی الإدارة الإقتصادية خاصة) أي النظام القبلي السعودي من جهة اخری، مع الافكار الغربیة والتفسخ الاخلاقي والتذمر من سلطة الكهنة الوهابیین التي تشیع بین الكثیر من الأمراء الذین زاد عددهم عن سبعة آلاف ـ بین امیر وأمیرة ـ حسب احصائیات غیر رسمیة!
علی سبیل المثال، الأمیر الولید بن طلال، صاحب قنوات روتانا الغارقة في الطرب بنوعیه “الاصیل!” والبذئ، كیف یمكن لهذا الرجل ان یحل ازدواجیته عندما یقوم بتمویل قناة الرسالة – مثلا – التي تحولت الی قناة سلفیة متشددة وهابیة حتی النخاع بعد طرد الإخواني الكویتي الدكتور طارق السویدان منها؟!
او مجموعة قنوات mbc التي تحولت الی بؤر للثقافة الغربیة الماجنة (للاسف هؤلاء الأعراب والعملاء تركوا الغرب الحضاري والصناعي والحداثوي وتمسكوا بقشور الحیاة الغربیة ولربما اسوء ما لدیها.. وکما یقول أحد مرتزقتهم: ترکوا النووي وتمسکوا بالمنوي!)

هذه الإزدواجیة التي قد یری البعض أنها تحتاج قوة لإرادتها، مربكة علی المدی البعید وتؤدي الی مشاكل كبیرة في الثقافة الاجتماعیة وتعتبر تحدیات امام اي نظام سیاسي.
2-  سخط الشارع: في المملكة السعودیة هناك سخط واضح یصل الی حد التمرد من النسخة الدینیة المعتمدة ورجعیة الفكر الوهابي، الذي اختار من كل الحلول امرها وبین جمیع الفتاوی اقساها والذي عند كهنته الجمیع متهمون الا ان یثبتوا براءتهم!

وما زاد الطین بلة ان هؤلاء المتوحشین فكریا أُطلقت أیدیهم لمحاسبة الناس والاعتداء علیهم لسبب وبدون سبب.. مستخدمین أغبی وأنكر اسالیب الضبط الاجتماعي والارشاد الدیني.

لذلك فان ردة الفعل ازاء هذا السلوك وصلت في العدید من الاحیان الی درجة الالحاد، وهذا ما اشارت الیه العدید من التقاریر عن وضع الالحاد في السعودیة، بلاد الحرمین ومهبط الوحي!

هیئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، او كما یسمیها السعودیون “المطاوعة” عجزت عن تحدیث اسالیبها، لسبب وهو ان التحدیث یعتبر عندها “بدعة”، فالخلل في العقلیة ترك آثاره علی الآلیة!

وبدت اشكال السخط متعددة، أهمها في الإنحرافات الإجتماعیة والتوحش الأخلاقي والاتجاه نحو الإدمان على الأفیون والمسکرات والکبتاغون وغیرها والالحاد كما قلنا.. وهذه كلها ستنتهي الی انفجار اجتماعي، وهو ما أخاف السلطة الحاكمة.

3-  الضغوط الخارجیة: باعتبار ان المملكة السعودیة تنعدم فیها الحیاة الثقافیة والفنیة والسیاسة، ولا یوجد فیها الا “الزقوم الوهابي” فكم دار سینما في اغنی بلد عربي واسلامي وكم مجمع ثقافي.. وكم مسرح ؟! وما هي النتاجات العلمیة والفكریة والثقافیة التي یقدمها المواطنون في ظل الحكم السعودي للانسانیة.. بالعكس الصورة الداخلیة للاوضاع تعزز السمعة السیئة للحكم السعودي وتؤکد دعمه للارهاب ونشره الفكر التكفیري وثقافة الكراهیة.

4-  الحاجة لتطویر قطاع السیاحة: من باب تنویع مصادر الدخل وإنقاذ الخزینة السعودیة الخاویة إثر مغامرات آل سعود فی الیمن وسوریا والعراق ولیبیا والبحرین والقائمة تطول، فی حین أنه لا یمكن لهذا القطاع ان ینهض في ظل التشدد الدیني والفظاظة في التعامل مع من یختلف معك فكریا وثقافیا..

والسياحة في السعودية على نوعين: الأولى، السياحة الدينية والتي تتمثل بالحج والعمرة، وهذه ايضاً تعاني من السلوك السياسي للسلطة بمؤسستيها الدينية والأمنية.. كما جرى في قرار ايران بقطع ارسال المعتمرين بسبب غياب الأمن وتحرش الشرطة السعودية جنسياً بمعتَمرَين ايرانيين ورفض السلطة السياسية تقديم الاعتذار ومحاسبة المقصرين!
ناهيك عما يتعرض له المسلمون من انتهاكات وخاصة الصوفية والشيعة والزيدية والاباظية والاسماعيلية ( وهؤلاء اكثر من نصف المسلمين) على يد “المطاوعة” الذين يمنعونهم من الصعود الى جبل النور وغار حراء لأنه “بدعة” ومن مسك جدران الكعبة لأنك ستعبد حجراً ومن السلام على رسول الله (ص) لأن ذلك عبادة قبور ومن الصلاة خارج اوقاتها استحباباً لان ابن تیمیة لم یقل بذلك وهلم جرّ!
يضاف الى ذلك ما يطبع وينشر بين الحجاج والمعتمرين من كتب وكراسات تكفر المسلمين وأهل القبلة وتتهمهم بالشرك.

وايضاً السياحة الدينية تحتاج الى ترميم وصيانة كل أثر والتنقيب عن ما يمكن ان يشكل موقعاً يستهوي الزائر والسائح والحاج… في حين ان ما قامت به السعودية يندى له جبين المسلمين والإنسانية، فقد مسحت معظم التراث من مواقع ومساجد واماكن ومقابر واقامت مكانها أبنية تمجدها، كما في برج الساعة ذو العمارة الشيطانية المطل على الكعبة المشرفة… وفي تدمير البيت الذي ولد فيه سيد الكائنات وعشرات المواقع التاریخیة الاخری!
وهنا أنقل مشاهدة شخصية في أحد، فقد قام الوهابيون بسد الغار الذي لجأ اليه رسول الله والمسلمون بعد المعركة بالإسمنت لكي يمنعوا المسلمين من مشاهدته!
او في نقل التراب والأحجار من تلة (او جبل) الرماة في أحد بحيث سيأتي يوم يندثر فيه هذا الاثر التاريخي او في تخريب المساجد السبعة.

ناهيك عن السياحة العادية غير الدينية.. فكيف يمكن للسائح ان يدخل مثل هذا البلد ويكون عرضة لاستجوابات “المطاوعة” واستفزازاتهم، ولیسألونك “هل التي تمشي معك زوجتك؟!” ولربما يجلدوك لأنك أمسكت بيد زوجتك وأنت تتجول في مجمع تجاري أو متنزه!!

وبأقرار قانون هيئة الترفيه على حساب هيئة المطاوعة، تكون حكومة “خادم الحرمين” قد باعت دينها الوهابي – رغم أنها لم تؤمن به يوماً بل استخدمته لتسويق مشروعها – من أجل المال وتنويع مصادر الدخل اولا، وايضا لتجميل صورة المملكة السعودية في الخارج.
وهذه المشكلة ستزداد تعقيداً اذا اعتمدت حكومة الرياض سياستين متناقضتين، وهي انها تبقي على جزء من صلاحيات “المطاوعة” في داخل المدينتين المقدستين وغالبية المدن السعودية الأخرى، وفي الوقت نفسه تتعامل بانفتاح تام وتمنع وصول “المطاوعة” وتكف ايديهم بـ”حزم” في الرياض وجدة او على سبيل المثال الجزر السياحية ومنها الجزيرتين المصريتين (تيران وصنافير علما ان احداهما مأهولة) أو اقامة مناطق ساحلية تتوافر فيها اسباب “الوناسة” وان كانت بمستوى اقل من مدن الوناسة الاخرى في الشقيقات الخليجيات… خاصة وان هذه الإزدواجية قائمة على مستوى الاعلام (اعلام رسمي واعلام تجاري).. فما المانع من ان يكون هناك دينا سعوديا وهابيا متزمتا في الداخل وآخر تجاريا ليبراليا في المناطق السياحية؟!
خاصة وان مثل هذه القوانين لا تحتاج الى فتوى من كبير “هيئة العلماء”، بل يكفي فيها مجرد الصمت من الكهنة!

وهناك يمكن للسعوديات ان يقدن السيارات ويركبن الدراجات ويمسكن بايدي ازواجهن بلحظات رومانسية حرم منها الاباء والاجداد.. وحتى “يفحطن” بانفسهن ولربما يخففن من بعض الملابس “الاضافية”، بالضبط كما يجري لبعض الاميرات عندما يهربن من جحيم هيئة “المطاوعة” ويخرجن من حدود مملكة “خادم الحرمين”!
(يتبع)

 علاء رضائي