الرئيسية » أخبار مهمة » رغم الالتفاف الشعبي .. هل يركع حزب الله ؟
ارشيف

رغم الالتفاف الشعبي .. هل يركع حزب الله ؟

 العقوبات المالية الأميركية لن تطوع حزب الله 

في فصل جديد من الحرب النفسية على محور المقاومة، شهدت الأيام الماضية حملة اعلامية كبيرة عبر صحف ووسائل اعلام اسرائيلية وعربية، تحدثت عن “خطر الانهيار” الذي يواجهه حزب الله نتيجة “الأزمة المالية الأسوأ” التي يتعرض لها منذ بداية تأسيسه. وقد جاءت هذه الحملة بعد تفعيل العقوبات المالية الأميركية على المقاومة اللبنانية، واستجابة بعض المصارف اللبنانية لهذه العقوبات وقيامها بإغلاق حسابات مستشفيات ومؤسسات مدنية خدمية وتربوية تابعة لحزب الله أو لشخصيات متعاونة معه.

صحيفة “يديعوت أحرونوت” الاسرائيلية، قالت إن الحزب يعيش اليوم أكثر الفترات صعوبة في تاريخه منذ تأسيسه، وزعمت أن: “أكبر الكوارث التي تواجهه لا تتمثل بالخسائر البشرية، بل الصعوبات المالية، لا سيما منذ المصادقة على قانون أميركي يحظر على البنوك التعامل مع الحزب”.

الاعلام الخليجي بدوره لم يوفر المناسبة للحديث عن “مأزق حزب الله”، خاصة بعد العقوبات التي فرضها “مجلس التعاون” على الحزب وتصنيفه منظمة ارهابية، والتضييق على المواطنين الشيعة اللبنانيين العاملين في الدول الخليجية، وسحب الإقامة وترحيل المئات منهم. حيث عنونت قناة الجزيرة القطرية في نشرات أخبارها “حزب الله يواجه شبح أزمة مالية متصاعدة” وزعمت أن الحزب اليوم يعاني من شح اقتصادي في ظل تآكل الدعم من الحلفاء والموالين.

وقد لقي قرار العقوبات الأميركية على حزب الله، واستجابة بعض البنوك اللبنانية له، إدانة واسعة من الجمهور اللبناني بشكل عام، والعديد من الشخصيات السياسية والدينية في الداخل اللبناني، التي اعتبرت أن العقوبات على المقاومة اللبنانية، تمس بكل لبنان. وقد أعلن بالأمس خطباء الجمعة استنكارهم للعقوبات الأميركية ووقوفهم إلى جانب الحزب أمام الهجمة التي يتعرض لها، كما وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري، العقوبات الأميركية على حزب الله والمتعاونين معه، بأنها تخريب للبنان، وأنها تمس بالنسيج اللبناني المتداخل بعضه مع بعض مضيفاً بأنه “أكبر المتعاونين مع حزب الله”.

استهداف البيئة الحاضنة

مراقبون يرون أن العقوبات المالية الأميركية لا تشكل تهديداً على بنية الحزب التنظيمية أو كوادره، ذلك لأن تحويلات الحزب عادة لا تتم عبر المصارف، حيث يتحفظ الحزب على سرية المبلغ الذي يحتاجه شهرياً لدعم مؤسساته العسكرية والمدنية ويستخدم آلية نقدية لصرف رواتب كوادره. كما لا يوجد للحزب مؤسسات اقتصادية خاصة يخشى من كسادها، ويعتمد بشكل أساسي على التبرعات الحاصلة من الموالين له، والدعم الذي يحصل عليه من الجمهورية الاسلامية الإيرانية، وهو الأمر الذي لا يخفى على أحد. وبطبيعة الحال لن يصعب على الجمهورية الاسلامية ايصال الدعم إلى حزب الله عبر طرق متعددة، وهي ذات الخبرة والتاريخ الطويل بمواجهة العقوبات والالتفاف عليها. ولن ينال الحزب أي ضير من العقوبات التي فرضتها المصارف عليه طالما بقيت المواجهة منحصرة معه فقط.

إلا أن التهديد الحقيقي الحاصل من قرار العقوبات الأميركية هو استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة وابتزازها بلقمة عيشها، لوضعها في مواجهة مع المقاومة من حيث أن من يلتصق بالمقاومة سيكون من المغضوب عليهم، ومن يقف في مواجهتها سينجو من العقوبات، خاصة وأن بعض المصارف اللبنانية ذهبت أبعد مما يطلبه الأميريكي، من خلال تطبيق اجراءات مجحفة بحق مواطنين يشتبه بصلتهم بحزب الله، واغلاق حساباتهم ومنع الحوالات لهم، بدعوى اتخاذ خطوات احترازية لتجنب العقوبات الأميركية.

وهذا الأسلوب الذي يتبعه أعداء المقاومة، ليس بالأسلوب الجديد، بل شكل السياسة الأساسية والرجاء الأخير للدول الاستكبارية لتطويع شعوب المقاومة، بعدما عجزت عن مواجهتها في ميادين السلاح، فإبان حرب تموز 2006 مع الكيان الاسرائيلي، تعمدت الطائرات الاسرائيلية قصف المناطق المدنية وتدمير الضاحية الجنوبية وتحويلها إلى ركام فاق ما حصل في مدينة “ستالين غراد” إبان الحرب العالمية الثانية، وذلك بغية إيلام الحاضنة الشعبية للحزب، ودفعها لترك خيار دعم المقاومة، الأمر الذي لم يتحقق لهم، حيث قام جمهور المقاومة بإعادة إعمار ما هدمته آلة الحرب الاسرائيلية بخير مما كانت عليه.

نفس الأسلوب تعتمده اليوم السعودية في حربها على اليمن، وتدمير المرافق المدنية والحيوية للشعب اليمني، بغية إيجاد حالة تبرم من المقاومة، ودفع الشعب إلى الاستسلام، وهي نفس السياسة التي اتبعتها الدول الغربية منذ عقود مع الشعب الإيراني، من خلال فرض عقوبات تطال حياته بشكل مباشر، لدفعه للثورة على واقعه وحكومته، وما زالت الدول الغربية تتبع نفس السياسة اليوم مع الشعب السوري، إلا أن جماهير المقاومة أثبتت يوماً بعد يوم، أنها كلما ازدادت الحملة التي تهددها وتستهدفها، ازدادت صبراً وعزيمة والتفافاً حول خيار المقاومة، وأن استهداف جماهير المقاومة كان على الدوام سبباً في زيادة التحشيد والتعبئة والتكاتف الاجتماعي ضد أعدائها.

إن البيئة الحاضنة لحزب الله في لبنان تعي جيداً أن ذهاب حزب الله إلى سوريا، والذي تحاول أميركا اليوم أن تعاقبها عليه، ما كان إلا لمواجهة الخطر الوجودي الذي يتربص بالمقاومة وجمهورها والمتمثل بالتكفير الذي أوجده وغذاه كل من الکيان الاسرائيلي واميركا والدول المتحالفة معهما، ولذلك لا يمكن للبنانيين إلا الوقوف إلى جانب المقاومة في خياراتها، والتصدي للحرب المفروضة عليها على جميع الصعد.

حزب الله الذي صمد في أصعب الظروف، واستطاع أن يتجاوز الكثير من التحديات عندما كان فتياً، وعندما كانت امكاناته متواضعة، لاشك أنه اليوم أقدر على الصمود بعد أن تحول إلى قوة إقليمية حاضرة في العديد من الميادين، مع ما يقتضيه منها هذا الحضور من تطور نوعي في القدرات والتخطيط والتنظيم.

لقد اعتادت المقاومة على أشكال متعددة من الاعتداءات بحسب ما تقتضيه ظروف المواجهة وكانت تخرج أكثر صلابة وأشد عوداً وأصلب مراساً وموقفاً، فالمقاومة كانت تمر بظروف أقسى من الظروف الحالية، وكانت خزينتها المالية أقل مما هي عليه اليوم، وكانت لا تملك من السلاح إلا الشيء القليل ومع ذلك استطاعت أن تواجه الآلة الغاشمة للکيان الاسرائيلي وتطرده من لبنان في عام 2000، وتلحق به أول هزيمة في تاريخه، ولقد تعرضت المقاومة لحرب كونية عام 2006 ولكثير من التآمر العربي والغربي ولكثير من الاستهداف المذهبي ولحصار سياسي وإعلامي واجتماعي، ولحملة من دعاة التكفير وأئمة الفتنة ولانقلابات داخلية وصولاً إلى التهديد بحرب طائفية عليها، لكنها صمدت وانتصرت.

إن حزب الله اليوم هو أقوى عشرات المرات من السابق، وهو قادر على تجاوز الأزمة التي تعترضه ولديه في جعبته الكثير من الخيارات وأوراق القوة، لمواجهة الحرب المالية المفروضة عليه، بدءاً من قيام الموالين له –بالأخص المغتربين المتمولين-  بسحب ودائعهم من البنوك التي تفرض العقوبات على الحزب، وصولاً إلى الخيار الأخير باشعال حرب استباقية مبكرة ضد الكيان الاسرائيلي تعيد خلط كل الأوراق من جديد.