الرئيسية » رأي وتحليل » سمرقند.. الفن في خدمة الجهل!

سمرقند.. الفن في خدمة الجهل!

ليست المشكلة في مسلسل «سمرقند»، الذي بثته بعض الفضائيات العربية خلال شهر رمضان، أنه يفتقر إلى دقة التوثيق التاريخي، بل في محاولة إسقاط حقبة من تاريخ المسلمين الدامي على الحاضر استناداً إلى الشطح والخيال بعيداً من المسلمات التاريخية الموثقة، حيث لم يكن العمل سوى سردية مفتعلة لتوظيف الفن في خدمة الخلاف السياسي والاحتراب المذهبي.
يبدأ المسلسل مستوحياً أحداثه من رواية سمرقند الشهيرة للكاتب أمين معلوف، ثم لا يلبث أن يخرج عن نصّها وينقلب عليها، لضرورات تتصل بمحاولة إلباس الداعشية – مواربة – لبوس الباطنية ونزع صفة السلفية عنها وإرجاعها إلى جماعة حسن الصباح، وبالتالي تبرئة ابن تيمية والوهابية منها.
لقد بلغ المسلسل في انقلاب الصورة حداً يضعه خارج أهلية التصحيح والتفنيد، حيث سيبدو الأمر، والحال هذه، كما لو أن المطلوب نفي حقيقة غزو المغول لبلاد المسلمين، أو إثبات «حقيقة» انتصار هتلر في الحرب العالمية الثانية. الشطح الذي استند اليه القائمون على العمل استند الى جهل المشاهدين في الوقائع التاريخية ومجرياتها، وإلى الرهان على انعدام النية أو القدرة عند هؤلاء الأخيرين على البحث التاريخي لتبيان الحقيقة. وإذ شكل تهافت النص لازمة لسردية المسلسل القائمة على الربط المبتذل بين عقيدة الإمامة (الشيعية المنشأ) وحركة حسن الصباح الإرهابية، تُرك للمشاهد استنتاج كون الداعشية مولوداً طبيعياً من التزاوج بين الإثنتين، وقد أوجدته مقتضيات الحتمية التاريخية.
يغيب عن مضمون العمل البعد الفلسفي والفكري، مع كون أبطاله شخصيات على غرار عمر الخيام ونظام الملك وحسن الصباح. ويغلب على المشهدية رقص الجواري المنفلت غالباً من أي مناسبة سوى اجتذاب المُشاهد. في حين تطغى على الصورة أمكنة يُعاد تظهيرها وتكرارها برتابة متنقلة بين القصر والسوق وقلعة الموت التي فقدت هيبتها، حيث تم تصويرها بخلفية سندبادية من خلال قتل الصباح الوهمي لأتباعه وإرسالهم الى الجنة، ثم إعادتهم أحياءً مغفوراً لهم بفضل دعائه وشفاعته.
بالعموم أخفق النص في مقاربة الواقع التاريخي، كما أخفق الممثلون الأساسيون في أدائهم الشخصيات التاريخية، حيث سجل لعاكف نجم أداءه الملتبس لشخصية لا تشبه نظام الملك في ترددها وضعفها، فيما بدا يوسف الخال أقرب إلى شخصيته في الدراما اللبنانية، وخاصة في مسلسل «تشيللو» الى جانب نادين نجيم، مع وجود فارق هو استخدامه لغة عربية فصيحة أقرب الى دبلجات المسلسلات المكسيكية. كما لم يستطع عابد فهد مغادرة شخصية الضابط رؤوف في مسلسل «الولادة من الخاصرة»، مع اختلاف كامن بأدائه السمرقندي في قدرته النينجائية على القفز والطيران هو وأتباعه. أما أمل بوشوشة، فلم تكن بعيدة في «سمرقند» عن شخصيتها في مسلسل «الأخوة»، برغم أدائها الجيد لخفة الظل في شخصية الجارية السمرقندية نرمين، ومن خارج سياق قتامة المشهد ورتابته.
ينتهي المسلسل بمشهدية راقصة في سوق سمرقند كدلالة سطحية على حب الحياة واستمرارها، فيما تم عمداً عدم التطرق إلى نهاية حسن الصباح وموته، إشارة الى بقائه قائماً حتى اليوم من خلال «داعش» وأخواتها!

د. حبيب فياض