الرئيسية » قضايا وناس » من الاغتصاب حتى “التسترّ”.. إبنة الـ16 ربيعاً تشبه فاطمة التركية

من الاغتصاب حتى “التسترّ”.. إبنة الـ16 ربيعاً تشبه فاطمة التركية

روَت الوسائل الإعلامية خبراً انتشرَ كما النار في الهشيم، مفادُه أنّ فتاةً قاصراً تبلغ من العمر 16 عاماً تعرّضَت للاغتصاب في منطقة ضهر العين – الكورة من قبَل 3 شبّان من منطقة الزاهرية باتوا معروفين بالأسماء، بالإضافة إلى شخص رابع يُشتبه بمشاركته. الفتاة يتيمة الأمّ ووالدُها مسافر وتُقيم في أبي سمراء في منزل جدّها. نحن ندرك أنّ المتّهم بريء إلى حين تثبت إدانته قضائياً، ولكنّنا ندرك أيضاً أنّ هذه القصّة التي انتشرت تُقابلها عشرات القصص المشابهة التي لا يتجرّأ ضحاياها على البوح بها، ولا يبلّغ عنها أيّ طبيب، فيكون |التستير| فيها سيّد الموقف، ما يؤمّن غطاءً لحيوانات هذا المجتمع الذين اعتادوا على أكل أيّ فريسة متاحة تحت أجنحة الليل، من دون أن تقوى إلّا على السكوت.

قصّة متكرّرة

ما أشبَه هذه الفاجعة بقصة “فاطمة”، المسلسل التركي الشهير، الذي يبدو أنّه تحوّلَ واقعاً في لبنان. مشهدُ اغتصاب “فاطمة” وقصّتُها المأساوية التي هزّت المجتمع التركي، لم يكونا بحتَ روايات مسلسلات من نسجِ الخيال، بل المسلسل مقتبَس عن قصة حقيقية حدثَت عام 1975 في تركيا، وبحسب الروايات هي حدثت في لبنان عام 2016، وربّما حدثت في لبنان وتركيا وفي غيرهما من البلدان مئات المرّات وبقيَت طيَّ الكتمان.

التاريخ يعيد نفسَه في أماكن مختلفة، ولا بدّ أنّه سيعيد نفسه مرّات ومرّات في مجتمعات اعتادَ فيها الجاني على الإفلات من العقاب، مجتمعات تطلِق على نفسها اسم “محافِظة”، وهي فقط محافظة على تخلّفِها وعلى التمسّك بتقاليد ومعتقدات وقوانين بالية تُكرّس وحشية الرجل، ولا تصلح لأن تحكم على أساسها زريبة حيوانات.

مجتمعات تضحّي بنسائها من أجل أيّ شيء (رغبات الرجل، راحته الجنسية، إفلاته من عواقب جريمته، عدم إلحاق العار باسم العائلة الذي يتوارثه الذكور…)، مجتمعات تغتصب ضحاياها آلافَ المرّات وتُبقي سمعة الرجل عذراء.

القانون اللبناني المغتصِب

خبر اغتصاب الفتاة القاصر في الشمال، أحدثَ ثورةَ غضبٍ عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد طالبَت مئات التعليقات “بتعليق المشانق”، و”إعدام هذه الحيوانات من فصيلة الوحوش”، أو “اقتطاع أعضائهم التناسلية”.

ولكن في حال ثبتَت التهمة عليهم، فالقانون اللبناني الحالي الذي نَنتظر تعديله منذ سنوات و”نطور يا كديش…”، لن يطالب بإعدامهم طبعاً، إلّا أنّه لن يفصلهم عن المجتمع لسنوات ولن يغرّمهم بمبالغ طائلة ليكونوا عبرةً لمن اعتبر.

فمَن يغتصب قاصراً في لبنان ويدمّر حياةَ طفل ومستقبله ويهدّد سلامتَه النفسية والجسدية، يعاقَب بالسجن ستّة أشهر! هذا إنْ تمَّت معاقبته، لأنّ ثغرات القانون كبيرة إلى حدّ يمكن لوحوش كبيرة الهرَب من خلالها. علماً أنّ النصّ القانوني يحدّد عمرَ القاصر بـ 15 عاماً وليس 18!

وإليكم ما ينصّ عليه القانون اللبناني “المُشرِّف” في هذا الإطار:

نَصّ القانون

فبحسب القانون اللبناني الحالي (البالي)، يعاقب من يلمس أو يداعب بصورة منافية للحياء قاصراً ما دون الـ 15 من العمر دون رضاه بالحبس مدة لا تتجاوز الستة أشهر! ومن يعرض على قاصر دون الـ 15 من عمره عملاً منافياً للحياء أو يوجّه إليه كلاماً مخلّاً بالحشمة، فيعاقب بالتوقيف أو بغرامة لا تزيد عن خمسين ألف ليرة أو بالعقوبتين معاً.

وتأتي الفاجعة الأكبر في المادة 522 التي تنصّ على وقف الملاحقة لانعقاد زواج صحيح بين المجرم والمعتدى عليها.

نعم، فإذا قام الوحش بالزواج من فريسته تسقط عنه التهَم. وغالباً ما يكون الزواج في هذه الحالة مخرَجاً مشرّفاً للذكور الأوغاد. وكم مِن “والد” قدّم ابنته هدية لوحش حتّى يغتصبها مئات المرّات تحت عنوان الزواج الشرعي، فقط لأنّه سبق وتمكّن من اغتصابها مرّة بطريقة لا شرعية! نعم هو بهذه الطريقة يقتنع أنّه غسَل شرفه وشرفَ ابنتِه القاصر، وبدل أن يطالب بإنزال أشدّ العقوبات بالجاني يدخِله بيتَه ويَجعله صهرَه!

وفي هذه الحالات يصحّ المثل القائل “كما في بيتك في اسطنبول”. فهذا ما حصل تحديداً في مسلسل “فاطمة”. فبسبب وجود هذه الثغرة في القانون التركي أيضاً تمكّنَ المغتصبون من الإفلات من العقوبة. فقد قرّرَ 3 من الشباب المغتصِبين ومحاميهم، تزويجَ صديقهم الرابع “كريم”، من “فاطمة”، واضطرّ “كريم” أن يوافق على الزواج بعد ضغوط من أصدقائه الذين رأوا فيه كبشَ فداء للإفلات من العقوبة.

مجتمع لا يرحم

ويبقى السؤال: في ظلّ هذه القوانين، ما الذي يردّ الوحوش عن هتكِ الأعراض وتدميرِ حياة بنات الناس، ما دامَ أيّ تصرّف أرعن لا يكلّف أيَّ وحش أكثرَ من 6 أشهر في السجن (آكِل، شارب، نايم)، فضلاً عن خيارات أخرى متاحة أمامه أيضاً، ومنها اتّخاذ الضحية عروساً له يكمل معها فِعلته الوسخة إلى الأبد وبطريقة شرعية مع الأسف؟! ومن يحمي أيّ فتاة تتمشّى في الشارع مِن أن ينقضّ عليها أيّ وحش، طالما إنّ القانون لا يحميها؟

فنحن نعيش في مجتمع ذكوريّ رجعيّ، تخاف فيه الضحية من التحدّث عن أيّ اعتداء تتعرّض له. فإن لم يقتلها والدُها بجريمة شرف قد يتّهمها بإغواء الوحش، وإنْ لم يعاقبها والدها، فقد تخاف من أعمال انتقامية من المعتدي عليها، فهي إنْ وشَت به سيعود بعد 6 أشهر من السجن حرّاً طليقاً جاهزاً ليس فقط لاغتصابها إنّما لقتلها ربّما.

وإنْ لم يعاود الوحش أذيتَها، فسيغتصب المجتمعُ بأسره سمعتَها وصيتَها وكرامتها مدى العمر، فيَنظر إليها الذكور والإناث الذين تتآكلهم العقَد النفسية وقد تأصّلت الرجعية في نفوسهم، على أنّها رخيصة، فيتهامسون في ما بينهم عبارات مفادُها أنّها قامت بإغواء رَجلٍ ما والتآمرِ عليه وزجِّه في السجن، بدلَ اعتبارها ضحيّةً تعاني يومياً سهامَ عيون الناس وتعليقاتهم السامّة وأحكامهم، وتتحمّل بصمتٍ آلام الاغتصاب التي ستُمزّق حياتها لسنوات بسببِ حيوان مريض قرّرَ تفجير مكبوتاته فيها.

سابين الحاج