الرئيسية » أخبار مهمة » لا دولة داعشية في الضاحية والجنوب.. إياكم التعميم!

لا دولة داعشية في الضاحية والجنوب.. إياكم التعميم!

عن قصد أو من دون قصد، ربما، أصبحت العلاقات الانسانية والاجتماعية في خطر. الشرخ الحاصل بين مفهوم وآخر، أو بين رأي ونقيضه، تجاوز بكثير مسألة الحريات الفردية وبات يشكل طعناً للعيش المشترك بأسهم نارية عنوانها التعميم والتضليل، وفي أحيان عدة قد يصل الى التشويه المتعمد.

قد يكون المثال الأقرب لهذا “التعميم والتضليل” (مناطقيا) في لبنان حالياً، هو بعض قرى الجنوب بعد الضاحية الجنوبية. قرارات، قيل أن رؤساء بلديات قرى جبشيت وعيترون والخيام (وهي بلديات محسوبة سياسياً على حزب الله) قضت تارة بمنع الاختلاط في أماكن عامة ومقاهي الانترنت، أو عدم السماح بتسجيل السيدات والفتيات في سباق نظمته جمعية “حرمون ماراثون” وغيرها من قرارات يستشف منها ميلاً نحو الحدّ من الحريات الفردية أو تجاوزاً لما يسمح به قانون البلديات لمصلحة رأي مجموعة محددة، وكل ذلك أشعل حرباً بين العلمانيين والمتشددين، وبين المتحررين فكرياً والمتعصبين، بين المنفتحين والمنغلقين في زمن بات الكون كله قرية صغيرة لا تنفع معها كل الحواجز والحدود.

الجزء الجيد في المسألة أن القرارات المذكورة ووجهت بداية من الجنوبيين أنفسهم بتنديدات وصرخات استنكار، ولأن الجنوبيين هم رمز للصمود والعناد، تجلى هذا الرفض ممارسات على الأرض، حيث كانت مشاركة فاعلة للإناث في النشاط الرياضي المذكور، وتجلى أكثر بمسارعة رؤساء البلديات المذكورة إلى التبرؤ من القرارات التي بقيت “لقيطة” و”مجهولة” النسب. لكن ليست المشكلة الحقيقية فيما سبق، كون هذه القرارات “خارج الزمان” ولا تمثل إلا حالات فردية جداً، المشكلة أن ثمة من استغل الموقف ليربطه بتدخل “حزب الله” في سوريا، على اعتبار أن هذه البلديات تابعة له، مقارنين بين هكذا قرارات وبين ما يجري في “دولة البغدادي” المزعومة من ممارسات الذبح والجلد وغير مكترثين بتداعيات هذه المقارنة، ولو كانت على سبيل المزاح. قبل أيام، انتشرت أخبار عن إشكال حصل في الضاحية وسرعان ما انهمرت تعليقات تنعت المنطقة وسكانها بأسوأ العبارات، وتشكل مادة دسمة للتحليلات واستغلال الإشكال لتحويل المنطقة بأكملها الى خطر أمني قد يهدد لبنان. البعض يبرر وآخر يعمم والضحية هي الضاحية وسكانها. وكأن الإشكالات لا تحصل إلا في هذه المنطقة.

في ظل التفكك والانقسام السياسي- الإجتماعي- الطائفي- الثقافي في لبنان، حين تنتشر الأفكار الخاطئة أو المسبقة التي لا يمكن ايضاحها بسهولة، تظهر الأخبار التي يجري تداولها بخفة وتسرع أو بكيدية مقصودة لتعكس وجهاً سوداوياً ومتعصباً للجنوب والضاحية (وهو أمر لا يجوز ولا يستقيم مع أي منطقة لبنانية، كما مع عرسال أو شبعا والاتهامات الداعشية). أما الواقع، إن هذه المناطق هي أكثر انفتاحاً وتنوعاً وانتماء مما قد يُخيل للبعض. ففيها– إذا كانت هذه هي معايير الانفتاح والمدنية- السهرات الغنائية الراقصة، وفي شوارعها التنانير القصيرة واللباس الضيق، والاختلاط، مقاهي الانترنت تعج بالشبان والفتيات.. الضحكات تتعالى حتى الصباح. ثم إن المسابح المختلطة في الجنوب موجودة بكثرة، والمشروبات الكحولية تُقدم في المطاعم بشكل علني، تماماً كما يوجد العكس في اللباس والسلوك والأكل وطريقة احياء المناسبات الدينية، وهو الأمر الذي يمثل صورة لبنان ورسالته.

ما الذي يمنع أن تبقى الاختلافات في إطار التنوع المشروع، فاللبناني مهووس بالتمايز وإطلاق التوصيفات. أنت مسلم؟ سني أو شيعي؟ سني: وهابي أو معتدل؟ شيعي: أمل أو حزب الله؟ أنت مسيحي: “عوني او قوتجي”؟ أنت سوري “مع الثورة أو مع النظام”، أنت تركي “مع أو ضد أردوغان”؟ أنت يمني “مع الحوثيين أو هادي”؟ أنت مصري “مع السيسي أو مع ثورة 25 يناير”؟

أحد الأجانب سألني مرة: حين أقرأ عن لبنان أسمع أن “داعش” تنتشر في الشمال؟ كيف باستطاعتك أن تعيش، كيف تعملون وتدرسون؟ للوهلة الأولى ظننت أنه يتكلم عن احتلال اسرائيل لفلسطين، أو أزمة سوريا! أجبته: “داعش لا تعيش بيننا نحن نحاربها، الوضع ليس بهذا السوء، لا تصدق كل ما تقراً”.

إنه عصر الكلام العابر، والمواقف المتسرعة.. حتى الضجيج بات يصرخ اريد بعضا من الهدوء. فبدلاً من الانهماك بحثاًعن فكرة عظيمة، يزداد كثيرون تيهاً في عالم التضليل والتعميم والغرق في أساطير لا وجود لها.