الرئيسية » رأي وتحليل » مملكة الموت والجنون العربية!
مملكة الموت والجنون

مملكة الموت والجنون العربية!

هي مملكةٌ تعيش من زمنٍ بعيد، من ألف عامٍ ويزيد، ما بين السماء والثرى ظلت عالقة، رغم سنابلها الخضر إلا إنها ظلت على يَبسها، ومنذ أن بلغت الرشدَ ضيعت رشدَها، في كل عصر كانت تصنع لجسدها مشنقة، والآن لم تَعد تُسقى إلا من عين آنية، ولم تعد تُردد من السور إلا الزلزلة. لكن رُغم الصواعق التي في دمها مُرسلة، ما زالت شعوبها مناضلة.

فهل تحتاجون مني تحديد مكانها، أم أظنكم تعرفونها؟

هي مملكة كبيرة من المحيط (الاطلسي) إلى الخليج (الفارسي)، لغتها عربية، نفحات عُلوية، من صليب، وقرآن وفتاوى شرعية، وبرغم ذلك اختفت منها رائحة الإنسانية.

اليوم لن أبكي ماضيها شوقاً، ولن أبكي حاضرها كمداً وقهرا، بل سأحدثكم عن تفاصيل أخرى بها، تفاصيل ضيقة وبسيطة، عن غابتها الرمادية ذات القمر الأحمر، عن الطيور الجارحة، عن القلوب التي صارت كالجمجمة، عن الديدان التي تأكل الفاكهة، عن خيط الأمل الذي لم يتحرك قيد أُنملة.

عن أسوار تفصلك عن الضجيج والشارع الواسع البعيد. عن شر لا مناص منه. نعم عزيزي القاريء عن باحة السجن سأحدثك. ولا تتعجب من هكذا موضوع، أشياء كثيرة تجعله يزداد وضوحاً وحدة وتعقيدا، فمنذ ما يسمى برواية الربيع العربي، والتي بدأت بفتح السجون لتنتهي اليوم بمزيد من السجون والمعتقلين، والسجان والجلادين. فهل كانت ثورة للمساجين؟ أم أن السجن في تلك المملكة العربية فكرا أصيلا وأسلوبا للحياة؟

الآن تتجسد أمامي أسوار تدمر، والكاظمية، وأبو غريب، وطرة، والعقرب، وجو، ورومية، وبرج الرومي، والرزين، والبرواقية، والجويدة.

أسوارٌ ترتفع، ولا تمنع. تُرهب، ولا تُقنع. يعيش فيها أشباحٌ، ويخرجون كالطاعون حتى أصبحت عجلة الإجرام فيها تدور حول نفسها، فالجريمة تُغذيها السجون، والسجون تُغذي الجريمة.

ولأن مملكة الخليج (الفارسي) إلى المحيط (الاطلسي) خاضت معارك مفتوحة ضد ثقافة التغيير، وضد أي طرح مختلف ورأي جديد، فاضافت حشودا عظيمة من المساجيين والمعتقلين، المكممين الأفواه، والأقلام، والألوان.

تاريخ عظيم طويل مارسته بإتقان ومهارة شديدتين، واستطاعت تحقيق تحالف عظيم ما بين العصبية القبلية، والدينية لتحولهما لأنظمة شمولية تسلطية أحادية الثقافة والرأي معا. فغريب أمرها قدمت ملايين الشهداء دفاعا عن أوطانهم ضد المستعمر والمغتصب، وبنفس الوقت تكمم أفواههم، بربكم هل رأيتم كهذا الحجم من الانفصام؟

* مي فاروق