الرئيسية » قضايا وناس » الحاج سلمان.. سيف عيتا وبيرق نصرها

الحاج سلمان.. سيف عيتا وبيرق نصرها

 

في عامه الثاني، لا شيء يضاهي غياب الشهيد إبراهيم الحاج الملقب بـ”الحاج سلمان” عن عائلته ورفاق جهاده؛ منذ استشهاده خلال تأديته واجبه الجهادي، ومنزله في مشغرة يعج به، صورا في  قلوب من عرفه، مثالا للخلق الحسن والسمعة الطيبة. من طفل متمرد، إلى قائد هادئ، خاض الحاج سلمان مواجهاته مع العدو الصهيوني ثم التكفيري، فكان “سيف عيتا وبيرق نصرها” كما يقال عنه، كما خبر اساليب قتالية أذاقت الأعداء مرارة الهزيمة في القلمون السورية، قبل ان يرحل بهدوء، لتحتضن ارض البقاع الغربي جثمانه، مسلما أمانته لأجيال تعلمت من مدرسة جهاد عمرها يقارب الـ30 عاما.

من عايش الحاج سلمان في مسيرته الجهادية، يدرك ان من قاد عمليات نوعية في عمر الـ16 إلى حين شهادته، كان مقاتلا اسطورة. في مشغرة، البلدة التي تربى فيها وعاش مع عائلته، يتذكر الحجر والبشر الحاج القائد، كل شيء يفتقد قدوته. بحنين وشوق يسرد أصدقاء وجيران الشهيد حكاياهم معه، يدخلون في التفاصيل، حتى يخيل إليك ان الحاج سيخترق الغياب، ويفاجئ الجميع، ليروي قصصا لم نسمعها من قبل.

الشهيد الحاج إبراهيم محمود الحاج

والدة ووالد الشهيد الحاج سلمان

أما العائلة، من والد ووالدة، زوجة وابناء وابنة، فلم تعتد عليه إلا “حاضرًا في أدق التفاصيل وابسطها، مع غيابه المتكرّر والطويل”، فكان “الابن البار والأب المثاليّ والجار الوفي، والملاذ لكل من عرفه”. تغوص الوالدة أم إبراهيم في بحر ذكرياتها معه، تحار من أين تبدأ لتحكي عن ولدها: متمرد هادئ في طفولته، متفوق في دراسته، متواضع بين الناس، شغوف في عمله، شديد المحافظة على علاقته بالله والتزامه الديني.

تتحدث الوالدة عن علاقة الحاج سلمان بالمقاومة منذ ان كان في العاشرة من عمره، إذ شارك ونظم مسيرات ترفض وجود جندي محتل أو عميل في البلدة، وتشير إلى انها لم تمنعه رغم صغر سنه من مرافقة مناضلين دافعوا عن البلدة في ذلك الوقت، إلى ان اصبح قائدا في المقاومة الإسلامية.

وحول مسيرته الجهادية، تحيل الوالدة سائلها على رفاق سلاحه، لمعرفة من يكون ابنها. “كان كالجندي المجهول، بعد شهادته بتنا نسمع كل يوم بواحدة من بطولاته، التي نفى دائما تدخله فيها ويقول “الله يآجرهم الشباب”، تضيف أم إبراهيم “بعد يومين من عملية جزين عام 1993، حين تمت تصفية كبار قادة “جيش لحد”، عاد الحاج إلى المنزل بعد الظهر، لم يحكِ لنا شيئا، اطمأن على احوالنا وتحدثنا قليلا، إلى ان جاءت مجموعة من رفاق الحاج في المقاومة”، تصف لنا الأم كيف عانقوا الحاج وقبلوا يديه، حينها عرفت ان ابنها كان قائد تلك العملية.

الشهيد الحاج سلمان

والدة الشهيد مقبلة صورته أمام قبره

الحاج سلمان لم يُفصح يوماً عن موقعيّته في المقاومة ولا حتى لعائلته الصغرى. هنا تقول زوجته ام محمد “رغم أننا كنّا نتلمّس أهمية عمله، من غيابه الطويل “، غير أننا لم نكتشف أهمية مسؤوليته إلّا بعد استشهاده، و”لا سيّما عندما عرفنا ان الإمام السيد علي الخامنئي صلى على جثمانه، ووضعت بعد ذلك ملابسه داخل معرضٍ في إيران”.

وبحسب أم محمد، فإن الحاج مزج عمله الجهادي بشخصيته كمرب لأسرة مكونة من 3 أبناء، بنى عائلة وزرع فيها مبادئ الأخلاق والمقاومة، والالتزام بالتعاليم الدينية، حرص على متابعة تفاصيل أولاده بحنان وحكمة في الرعاية، يسأل عن تفاصيل دراستهم، ويؤكد دائما ضرورة تفوقهم في كافة المواد، كما كان متمسكا بمتابعة زوجته للدراسة الجامعية”.

الشهيد الحاج إبراهيم الحاج

أبناء الشهيد الحاج سلمان أمام قبره

تحكي أم محمد كيف ميّز الحاج سلمان ابنته فاطمة أو “وحيدته” كما كان يحب تسميتها، عن اخوتها، إذ كان يبدأ بالسلام عليها عند عودته، ويخصها بهدايا تحبها. وعن اجتماعياته، تقول ام محمد ان “الحاج سلمان، كان إذا عاد يوما واحدا من عمله، يقسم وقته بين عائلته وأهله وجيرانه ويسأل عن أحوال الجميع متفقّدا مطمئنا، لا يرَ أحد سوى تلك الابتسامة على ثغره”.

شخصية الحاج سلمان كانت مميّزة جداً، فإلى جانب تألّق مسيرته الجهادية، حاز على شهادة الماجستير في الموارد البشرية وإجازة في التاريخ. اهتمامات الحاج لا يحدها مجال، فهو مواظب على قراءة الكتب السياسية والدينية، ومتعلق بأناشيد المقاومة الإسلامية القديمة.

الحاج سلمان: بالمقاومة والصمود سنحقق النصر في عيتا

تدين بلدة عيتا الشعب الجنوبية للحاج سلمان في الكثير من الانتصارات، احتضنها حين ساورتها المحن ورفض تركها بعد ان طُلب إليه ذلك ثلاث مرات خلال عدوان تموز 2006، قائلًا:” لن أبرح عيتا” مشيرا إلى انها “ستحدد مسار الحرب وبالمقاومة والصمود سيحقَّق النصر”، ليصبح بطل المواجهات والحكايات التي تحفظها الناس وتتناقلها عامًا بعد عام حول ملحمة عيتا البطولية.

“قاد الحاج سلمان مواجهات عيتا الشعب إلى جانب اخوته المجاهدين، كان قائدا استثنائيا، يصعب تكراره في مسيرة المقاومة، ليس فقط لإنجازاته العسكرية الضخمة، إنما لاقترانها بالثقافة والعلم الهادف والشجاعة النادرة والذكاء والأخلاق العالية”، حسبما يقول عنه احد المجاهدين ممن رافقه طيلة أيام المواجهة في البلدة، ويتابع “كان يقاتل الجنود الصهاينة بفن وابداع ، يبتكر اساليب عسكرية لم يألفها جيش من قبل”. يقرأ الحاج القائد سلمان، بحنكة ما يدور في خاطر الإسرائيلي، يخطط وينفذ ثم يرمي ويصيب، ليصد اي محاولة تقدم او تحقيق اي هدف عسكري من قبل العدو.

حنكته وذكاؤه بالإضافة إلى ما اكتسبه من خبرة طويلة في المجال العسكري، جعلت منه قائدا لامعا. يحكي لنا أحد المجاهدين كيف خدع الحاج سلمان الصهاينة، واكد ان عيتا لن تسقط مهما قصفت أو دمرت: قسَّم الحاج مجاهدين كانوا في بقعة معينة إلى مجموعات، وامرهم أن يتحدث كل واحد منهم بصوت مختلف عن الآخر وفي لحظة واحدة على خط اللاسلكي المخترق من قبل العدو؛ صدرت حينها اصوات لمئات المجاهدين، ما اوهم العدو بوجود عدد هائل من المجاهدين في عيتا الشعب.

لا يمكننا التحدث عن عيتا، دون ان نتذكّر حادثة “كاراج عيتا” الشهيرة في أروقة المقاومة، ففي كاراج الحارة الفوقا في عيتا الشعب، قتل ثمانية جنود دفعة واحدة، حين تسلل إلى مقابل الكاراج، والجنود يلوذون به خائفين، وصرع الثمانية برشق واحد، حينها علق قائلا : “شو باعتيلنا ولاد ليقاتلوا ..”.

ويروي المجاهد ان الحاج، رمى النار على ناقلة جند كانت قريبة منه، كما رمى في أحد الأحياء مجموعة من لواء “غولاني”، كانت قد نفّذت إنزالًا في أحد المنازل، فاستفادت المقاومة من أشلائهم في عمليات تبادل لاحقة”، لافتا إلى ان ألوية النخبة في جيش العدو لم تصمد أمام خطط وعمليات الحاج سلمان.

الحاج سلمان

الشهيد الحاج في ثيابه العسكرية

ليست عيتا الشاهد الوحيد على بطولات الحاج، إذ يشير المجاهد المتحدث إلى أنّ “كل من قابلهم في الميادين وجميع الإخوة في “حزب الله”، يشهدون أنّ الشهيد القائد سلمان كان من بين المجاهدين الأكثر تجربة وخبرة وبراعة منذ انطلاقة المقاومة عام 1982، فهو من بين الذين حظيوا بفرصة المشاركة والتخطيط   للعمليات النوعية التي إشتهر بها الحزب، وهو من استهدف موكب قائد القوات المحتلة في جنوب لبنان الجنرال إيرز غيرشتاين لدى مروره على طريق مرجعيون – حاصبيا عند نقطة الهرماس، خلال قدومه في زيارة عام 1999.

وبالعودة إلى عيتا، لعب الحاج دورا اساسيا في رفع معنويات المجاهدين مقابل تحطيم حالة العدو النفسية، “ففي أحد الأيام تحدث ضابط إسرائيلي عبر أجهزة اللاسلكي باللغة العربية، طالبا منا بـ”كل تهذيب” ان نرمي اسلحتنا وننجو بأنفسنا، فرد عليه الحاج سلمان قائلا: “بالموت تهددنا يا ابن الزانية، ان القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة، نحن أبناء محمد وعلي ولن نترك أرض المعركة”، وأخذ المجاهدون بعد ذلك يردون على الصهيوني واحدًا واحدًا، ويتحدّثون معه بعزم، إلى أن طلب منا قائدنا الصمت، فصمتنا، وصار الضابط يتكلم وحده، بعدما أخفق في إضعاف معنوياتنا”.

يحكي المجاهد كيف قاتل  الحاج القائد إلى جانب جنوده ،  ولفت إلى ان “الحاج سلمان كان يمازح الاخوة المجاهدين ويكلمهم باحترام وهدوء مهما كان الوضع متوترا، ويحرص دائما على الإطمئنان لأحوالهم يوميا”، ويحفظ المجاهد كلمة كان يرددها الحاج كثيرا للمجاهدين: “خير انشالله”.

الحاج سلمان

نصب اقيم أمام منزل الحاج في ذكراه الأولى

بعد إعلان وقف إطلاق النار في الـ14 من آب/اغسطس 2006، أكد الحاج على جميع المجاهدين عدم ترك مواقعهم، قبل التأكد من انسحاب العدو التام. كما حرص الحاج سلمان على سحب جثامين الشهداء من أرض المعركة وإسعاف الجرحى، قبل عودة سكان البلدة إليها.

ويروي المجاهد، فطورهم الأول بعد سريان وقف إطلاق النار، حيث اجتمع الحاج سلمان وعدد من المجاهدين وتناولوا “فول ومسبّحة”. وكان حديث الحاج يؤكد رضاه عن الانتصار المحقق وتأثيره على مسيرة المقاومة، إلا انه اوصاهم في نهاية الحديث بالتواضع مهما عظمت إنجازاتهم، والعمل على ان لا يكون ذاك الانتصار هو الأخير في مسيرتهم.

اليوم للحاج القائد رفاق وإخوة، لا يزالون يقبضون على جمر السلاح، ويرابطون في الساحات بمواجهة العدو الصهيوني والتكفيري. آخر ما يقوله رفيق السلاح عن الحاج: عيتا والجنوب سيتذكرون الحاج سلمان. رفض تركها، احبها واخلص إليها لأكثر من ثلاثة وثلاثين يوماً .. ولم نسمع منه طيلة تلك الأيام كلمة آه”.

هبة العنان