الرئيسية » أخبار مهمة » قوة لبنان في مشاة “حزب الله”

قوة لبنان في مشاة “حزب الله”

قد يحتاج تقويم الاداء العسكري الاسرائيلي الى ما هو أكبر بكثير من مقال في صحيفة، ولكن يمكن تكوين موجز وافٍ عن سياق الحرب والمحددات التي حكمت القرار الميداني الاسرائيلي بصفتها احد العوامل الرئيسية التي ستكون حاضرة في أي مواجهة مقبلة؛ وهو ما سعى اليه تقرير القاضي فينوغراد (وبقية التقارير الصادرة عن الهيئات واللجان المختصة في تل ابيب) الى تسليط الضوء عليه وتشخيصه بهدف معالجة ثغرات “حرب لبنان الثانية”.
على الرغم من التخبط الواضح على مستوى القرار السياسي وما حمل معه هذا الأمر من ارباك بالنسبة للقيادة العسكرية، فإن تحييد صواريخ حزب الله المتوسطة والبعيدة المدى كان محل اجماع في أيام الحرب الأولى قبل أن تتضح الحاجة الى تنفيذ حملة برية مرت بمراحل ثلاثة:
– المستوى الأولى: السيطرة على النقاط المتقدمة لحزب الله عند الحدود.
– المستوى الثاني: اجتياز الحدود بمسافة قريبة.
– المستوى الثالث: التوغل بعيدا الى بقع محددة في عمق الجنوب اللبناني.
تأرجحت المستويات الثلاثة بين التردد السياسي وعدم الجهوزية العسكرية، ما اضطر الجيش في أيام الحرب الأخيرة الى تكثيف الانزالات الجوية بهدف تحقيق انتصارات معنوية تعزز موقف اسرائيل في المفاوضات.
بعد وقوع عملية الأسر في الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة من صباح الثاني عشر من تموز 2006، حاولت قيادة الجبهة الشمالية استيعاب ما جرى واستعادة الجنديين وسحب الجرحى من ارض العملية عبر تنفيذ مطاردة بدبابة ميركافا ما لبث ان تناثرت أشلاء بعد اجتيازها الحدود بفعل نسفية كبيرة أصابت شظاياها أيضا الهيبة الاسرائيلية.
مع تواتر الأنباء حول عدد القتلى والجرحى الكبير خلال ساعات قليلة من عملية الأسر، انتقلت قيادة الأركان الاسرائيلية على عجل للاجتماع في مكتب رئيس الأركان.
حَكَم تفصيل غريب ظروف اجتماعات رئاسة الأركان طوال الحرب؛ إذ ان المقر الرئيسي للأركان في وزارة الدفاع كان يخضع لأعمال صيانة لم تنته حتى اخر ايام الحرب، وبالتالي استعاض رئيس الأركان حالوتس بعقد اجتماعات في مكتبه أو اماكن اخرى بحضور جزء من ضباط هيئة الأركان لا الجميع، مع الإشارة الى ان رئيس الأركان الحالي غادي ايزنكوت كان يشغل منصب رئيس شعبة العمليات آنذاك وقد حضر جميع الاجتماعات.
استدعى الجيش القوات النظامية بالتوازي مع تحميل وزير الدفاع حكومة لبنان المسؤولية عن مصير الجنديين.
وافق المستوى السياسي على التوصيات التي رفعها الجيش بشأن تنفيذ عملية محددة في هذه المرحلة تقضي بمهاجمة البنى التحتية لحزب الله والدولة اللبنانية، على أن يتولى سلاح الجو “الجزاء المناسب” مع الاستعداد لتجنيد الاحتياط بدءا من الاسبوع الثاني في حال استتبعت هذه العملية رد فعل من حزب الله باتجاه المستوطنات. كان واضحا في مداولات الأيام الاولى ان الجيش الاسرائيلي لا يود أن تنخرط سوريا في هذه المرحلة التي بقيت رسميا ضمن سقف “العملية العسكرية” لا الحرب التي تتطلب اتخاذ اجراءات مختلفة في الداخل الاسرائيلي.
في الساعات الأولى من فجر الثالث عشر من تموز 2006، بدأ الجيش الاسرائيلي بتطبيق “الجزاء المناسب” عبر نشاط استخباري بواسطة السطع الجوي فوق مختلف مناطق الجنوب اللبناني، قبل أن تتولى المقاتلات الحربية ضرب ما تعتقد أنها مخازن صواريخ ومراكز للمقاومة. في هذه المرحلة، اقتصر دور المروحيات على مهاجمة اهداف قريبة من الحدود، ولم تتسع مشاركاتها طوال أيام الحرب في العمق الا في حالات الضرورة وليلًا.
ظل رد حزب الله في اليومين الأولين محددا باستهداف مواقع عسكرية شمال الاراضي المحتلة ولم يبدأ باستهداف المستوطنات الا في اليوم الثالث؛ مع انطلاق عملية “تغيير الاتجاه”.
إذ ان الجيش الاسرائيلي استنتج ان عملية “الجزاء المناسب” لم تضعف القوة الصاروخية لحزب الله الذي حافظ ايضا على منظومة السيطرة والتحكم.
تقرر توسيع نطاق العمليات الجوية وتعزيز القصف برا من المدفعية وبحرا من البوارج بالتزامن مع تنفيذ تقدم بري محدود ضمن سقف المستوى الأولى؛ أي عند الحدود؛ بهدف اسقاط احتمال قيام حزب الله بعمليات تسلل.
هذا المستوى من الاجراءات تمت تسميته بـ “تغيير الاتجاه” وقد تم التركيز خلاله على استهداف القطاع الأوسط وقرى صور، وقطع أوصال المناطق من طرقات وجسور واستهداف منازل كوادر المقاومة؛ خاصة اولئك الذين تظن الاستخبارات العسكرية أن لهم ارتباطا بالوحدات الصاروخية.
أما برا، فقد كانت محاولات التقدم عند الحدود تتم عبر طرق التفافية تشقها الجرافات خشية وجود عبوات كبيرة.
لم تحقق عملية “تغيير الاتجاه” الغاية منها، وتدرجت 11 مرة بفعل اوامر جديدة كانت تصدر للقوات البرية تحديدا.
ففي العشرين من تموز 2006، قرر الجيش الاسرائيلي الزج بمجموعات مشاة من مختلف الألوية والاختصاصات حتى عمق كيلومتر واحد داخل الاراضي اللبنانية، لعلها تستطيع تحديد اماكن اطلاق الصواريخ.
سبق عمليات تقدم المشاة تمشيط جوي ومدفعي مركز على مختلف محاور التوغل، مع حضور دائم لطائرات الاستطلاع.
أدت اشتباكات بلدة مارون الراس مع قوة استطلاعية الى طلب مساندة وحدة النخبة “ايغوز” وفصيل مدرعات سرعان ما تعرض لقذائف من أسلحة ضد الدروع، ثم استدعاء المظليين وقائد فرقة الجليل شخصيا لادارة العملية التي استمرت أربعة ايام، وتقرر على اثرها رفع عديد المجموعات البرية من 30 او 40 الى 100 جندي.
بات الجيش الاسرائيلي بعد معركة مارون بحاجة الى تحقيق نصر معنوي يعالج اثار الفشل في تحقيق اي من الاهداف المعلنة بعد مرور اسبوعين على الحرب، فتقرر احتلال بنت جبيل عبر تشكيل قوة من لواءي غولاني والمظليين واللواء المدرع السابع والهندسة، من دون أن تنجح أيضا في السيطرة على البلدة، فتقرر احتلال عيتا الشعب؛ القرية التي انطلق منها المقاومون لتنفيذ عملية الأسر. تكرر المشهد نفسه في عيتا، فقررت هيئة الأركان مرة اخرى ادخال تعديلات جوهرية على حركة القوات.
على المستوى الأركاني، انتقلت مسؤولية ادارة العمليات في الشمال من قائد المنطقة الشمالية اودي ادم الى نائب رئيس الأركان موشيه كابلينسكي.
بعد أن كانت فرقة الجليل هي المعنية عن كامل العمليات البرية، تم تقسيم الجبهة الى محور شرقي تتولاه الفرقة 162 ومحور غربي تتولاه فرقة الجليل.
التقسيم الجديد للجبهة ادى تلقائيا الى زيادة حجم القوات المشاركة.
مع حلول الأسبوع الثالث للحرب، كانت الصواريخ المضادة للدروع قد تركت أثرا كبيرا في حسابات شعبة التخطيط التي أوصت شعبة العمليات باستخدام المشاة لفتح الطرقات امام المدرعات، والاستمرار في اعتماد طرق التفافية وشق ممرات آمنة.
لم توفر الاجراءات الجديدة أي اضافة نوعية على مسار المواجهات، فتقرر مجددا زيادة عدد القوات عبر استدعاء لواءين من الاحتياط (مشاة ودروع) مع حلول الثالث من آب 2006، والطلب الى القوات التوغل حتى عمق 8 كيلومترات في جنوب لبنان. بعد اسبوع على هذه المرحلة، تمت المصادقة على توسيع العملية البرية حتى عمق 12 كيلومترا مع تعزيز اضافي للقوات واعادة تقسيم منطقة العمليات الى أربعة محاور.
رسم مشهد الدبابات المحترقة في سهل الخيام حدود الخطة الاسرائيلية مرة اخرى، فراوحت مكانها حتى الحادي عشر من آب؛ موعد انطلاق محاولة التوغل حتى 12 كيلومترا بموازاة عمليات انزال كبيرة عند نقاط التقدم، بعد ان كانت في بداية الحرب تقتصر على قوات صغيرة من وحدة تحديد الأهداف “شلداغ”.
يمكن القول ان عمليات الانزال الكبيرة في آخر ايام الحرب فرضتها الظروف السياسية والحاجة لتحقيق نصر سريع بأي طريقة. وكذلك هو حال العمليات الخاصة التي تم اللجوء اليها لإشباع رغبة الرأي العام الاسرائيلي وليس وفق معايير ميدانية تحاكي الواقع (كما هو حال العملية الخاصة في مجمع الرز شمال مدينة صور في السادس من آب 2006).
فشلت الانزالات الجوية في تحقيق أي من اهدافها بفعل التردد الاسرائيلي في الانتقال الى حملة برية واسعة، وخضوع قرارات الجيش لرغبات المستوى السياسي، من دون الرجوع الى واقع الميدان.
بعد عشر سنوات على الحرب، وبعد الكم الهائل من الدراسات التي عالجت اسبابها وظروفها ومجرياتها، يمكن القول أن الجيش الاسرائيلي عانى من ثغرة كبيرة على صعيد مواءمة الاهداف مع واقعه أولا، قبل ان نتطرق الى اداء المقاومة التي استفادت بشكل كبير من ثغرات كبيرة على صعيد جهوزية الخصم واهتزاز ثقة جنوده بقياداته العسكرية والسياسية.
ولئن كانت حرب تموز 2006 لا تزال بعد عقد من الزمن محل أخذ ورد لدى البعض، فإن الحرب المقبلة المفترضة لن تكون اشكالية لناحية تحديد المنتصر. إذ يحتاج الطرفان الى تحقيق نصر واضح وحاسم، مع احتفاظ حزب الله بهامش المناورة كتنظيم بات يجمع بين القدرة على استنزاف الخصم في معركة مفتوحة على مدى طويل (كما حصل في تموز 2006) وبين القدرة على حسم المعارك الموضعية بسرعة لتحقيق خسائر مادية ومعنوية وبشرية مباشرة بالحد الأقصى في صفوف خصومه (كما يحصل في سوريا).

علي شهاب