الرئيسية » رأي وتحليل » ثورة المرأة المسلمة على الدين ورجاله قادمة…

ثورة المرأة المسلمة على الدين ورجاله قادمة…

أمام الإشكاليات العقائدية المتأزمة، التي باتت تشكل تهديدا صارخا وحقيقيا، لكيانات المجتمعات الإسلامية والعربية، أرى أنه بات من الواجب الشروع بورشة تصحيحة لما وردنا من تفاسير انتقائية استنسابية للنص الديني، احتراما لكلمة الله الذي قال “ولا يظلمون فتيلا”، وكذلك من من أجل إنقاذ الدين، قبل إنقاذ المرأة، فالدين، عمليا وإنسانيا، هو المهدد بالانكسار والاندثار وليس المرأة.

ورد في سورة “النساء” الآيات التالية: الميراث: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين…

 

القوامة السلطة المادية: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم…

تعدد الزوجات والعشيقات: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم…

التعنيف الجسدي والنفسي: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن…

هذا غيض من فيض مما جاء حرفيا في النص القرآني، الذي يعطي انطباعا أنه يمنح الرجل فوقية شرعية ويكرس دونية المرأة، ويجيز له التحكم بمصيرها وعواطفها وتقييد حريتها ويبرّر اضطهادها وتعنيفها وقمعها وتحقيرها وتهميشها.

أما السنة النبوية أي الأحاديث المنقولة عن لسان الرسول، فلم يكن مضمونها ألطف مما جاء في النص المقدس، فالمرأة في السنة النبوية: ناقصة عقل ودين ويضاف إليها ناقصة حظ بسبب آية الميراث…شاورهن ثم خالفوهن، فإن في مخالفتهن حسنة… لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها…

أما الكارثة الحقيقية فتكمن في الفقه الإسلامي، وهو علم تفسير أو استنباط الأحكام الشرعية التي وردت كنصوص تحتمل التأويل في القرآن والسنة، وفق أدلة تفصيلية. فعلى سبيل المثال، فسّر بعض فقهاء المسلمين آية “وقرن في بيوتكن” بجعل المرأة أسيرة بيتها، ومنعوا عليها الخروج إلا إلى القبر، أما إذا خرجت، فبإذن زوجها، ويجب أن تغطي كامل جسدها ووجهها ويديها وقدميها وألا تتعطر ولا تنتعل كعبايحدث طقطقة لأن ذلك بمثابة الزنا، وألا تكون وحدها بل بصحبة زوجها أو أحد محارمها الذكورحتى إذا كان يصغرها سنا.

أما آية “قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن” وآية “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمورهن على جيوبهن”، فقد استنبطوا منهما فرضية الحجاب، وجعلوه فريضة.

وألزموا النساء به بالإكراه حينا وبالترهيب أحيانا، ومنهم من طور مفهوم الحجاب المغلوط، وأخذه إلى ما هو أبعد من مجرد غطاء للرأس، فمن هاتين الآيتين وآيات أخرى مشابهة، استنتج هؤلاء الفقهاء والمفسرون حرمة الاختلاط بين الجنسين، ففصلوا مجتمع النساء عن مجتمع الرجال، وحرم بعضهم على المرأة العمل، والانفراد بالذكر، وقيادة السيارة، والسفر وحدها، والزواج من غير دينها، والزواج ممن يرضى وليها عقله ودينه ولو كانت قاصرا، وفرضوا عليها نظام الوصاية والولاية الأبوية، وحرموها من حق حضانة أطفالها، وتطليق نفسها، وأباحوا قتلها باسم جريمة الشرف، وتزويجها من مغتصبها وغيرها من الجرائم الإنسانية المخزية، التي ترتكب جميعها باسم الدين والنص المقدس.

كل ما سلف رغم قساوته، ورغم أنه نظام معمول به منذ 1400 سنة، يمكن أن نعتبره الوجه المشوه للإسلام، وليس وجهه الحقيقي، وهنا لا أبتغي تبرئة الدين من كل هذه المظالم التي التصقت به منذ شيوع علم التفسير والاجتهاد والفتوى، فالمتهم يظل متهما حتى يثبت براءته.

لكن، مما لا شك فيه، أن تفسير النص القرآني الذي بين أيدينا الآن، خصوصا تفسير الآيات المتعلقة بالمرأة، مرتبط بالمستوى المعرفي والثقافي للمفسر الأول والحالي، وخلفيته الاجتماعية وتحصيله العلمي ونسبة الذكورة في دمه، لذلك هو ليس بالضرورة المعنى الحقيقي أو الوحيد للنص.

وبناء عليه، بتنا نسمع أصواتا عاقلة غيورة على الدين وقيمومته، تنادي بضرورة إعادة قراءة النص القرآني ونقده وأنسنته وتفسيره وفق مقتضيات العصر وبما يتلاءم مع لغة العقل والمنطق الحديث، فالتفسير يختلف باختلاف العقول المنتجة، وطبيعة المجتمعات، وتطور وعيها وحاجاتها، من دون أن يتعارض ذلك مع قدسية النص وثباته، ولا بأس أو بالأحرى من المفروض، أن تتشارك المرأة والرجل، في تفسير النص وألا يبقى هذا الشأن حكرا على رجل الدين فقط.

أما الأحاديث الشريفة الملصقة بالرسول، فيكفي هنا للرد على ما هو منفر منها، أن الرسول قال لأتباعه: لا تكتبوا عني سوى الوحي أي القرآن.

يبقى أن نشير أن ما اتفق على اعتباره نصا مقدسا أو سنة شريفة، في ما يتعلق بحقوق المرأة في الإسلام، ما هو إلا اجتهاد شخصي ذكوري، أنتجته عقول مريضة ونفوس مشوهة، دمجت السياسي بالديني، والأعراف الاجتماعية بالأحكام الدينية، واعتبرت الدين شأنا ذكوريا، المرأة فيه مجرد تابع أو عبد مملوك أو أداة أو جمهور غفور، فأطلقت الرجل واستعبدت المرأة، وحللت له ما حرمته عليها أو حرمتها منه.

 

وعليه فإن تقييد حرية المرأة بسلاسل الدين، لا علاقة للسماء به، بل هو مسألة دنيوية ذكورية مسكونة بهاجس الفحولة وعقدة الأقوى.

جاء في القرآن “ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد”، هذه الاية الكريمة، هي واحدة من الآيات القرآنية الكثيرة، التي تبرهن أن الله منح الإنسان الذكر والأنثى فضاء مطلقا من الحرية الفردية، وحمله مسؤولية شخصية عن أفعاله وممارساته وقناعاته، مع وعد بالتعامل معهما على أساس العدالة وليس الظلم، لكن هذه الآية كغيرها من الآيات المشابهة، لا يعتنى بها كثيرا في التفاسير، ربما لأنها تنطوي على اعتراف إلهي بالمساواة، وحرية الاختيار والمسؤولية الذاتية أمام الله عن هذا الاختيار، الأمر الذي اعتقده رجال الدين، الذين يقدمون أنفسهم وسطاء ما بين العباد وربهم، والممر الإجباري لعلاقتهم بالله، تهديدا لسلطتهم وتسلطهم على المجتمع، مما يغري المرأة بالتالي، كمخلوق من الدرجة الثانية، بالتمرد على سلطة الرجل المقدس.

وختاما، عملا بالقول المأثور الذي يقول: لا تكن قاسيا فتكسر. فليس أشد قسوة من هذه التشريعات التي ابتدعها الديانون وجاروا بها على المرأة. وبالتالي فإن الدين، الذي فسر وترجم بهذا الشكل، يحمل بذور انكساره من داخله، ولن يستطيع الصمود بعد طويلا، أمام وعي المرأة المتنامي، وإدراكها المستنير، لحقيقة كيانها وشخصيتها وإنسانيتها، وأعتقد أن المرأة لن تظل حبيسة نظرة الشرع الذكوري أو المشرع الذكر، والأطر التي رسمتها هذه النظرة، والمساحات التي حددتها لها، فكل الدلائل والعلامات تنذر بأن المرأة عاجلا أم آجلا، سوف تهب كالعاصفة وتحطم كل هذه التماثيل.

 

ولمّا جاءت الشيوعية الى أوروبا، كان أحد جوانبها ردة فعل على ظلم الكنيسة، أعتقد أن المجتمعات الإسلامية والعربية على موعد مع انفجار نسائي عنيف بوجه الذكورية، التي استمدت شرعيتها زورا من الدين، وربما على الدين أيضا، الذي سُكت عن حصر شرعيته بالذكر.

بادية فحص