الكعكة

هل نحن بحاجة للترجمة؟ لا أعتقد. فعلى اختلاف لهجات العرب ولكناتهم بين الخليج والمغرب العربي والهلال الخصيب الجميع يعرف ما هي الكعكة، التي تكاد أن تكون قاسماً مشتركاً حتى بين الطبقات الاجتماعية. يأكلها الفقير جوعاً ويطلبها الطفل لهواً وتطبخها النسوة احتفالاً بالأعياد والمناسبات. لكن الكعكة لها طعم آخر ضمن طبقة اجتماعية معينة، مثل أهل السياسة فحتى شكلها مختلف قد تشبه عقداً مالياً ضخماً، أو مثل كرسي حكومي. ولا تتفاجؤوا إذا ما وجدتم أن الكعكة تشبه السلاح، فأهل السياسة لا يخافون الأسلحة التي تُهدى لهم مثل الكعك وبأبخس الأثمان. وكعكة السياسيين لها نكهات مختلفة إما بطعم النفط أو بطعم الدولار ومعظم الأحيان لها نكهة القوة والهيمنة، وهي نكهة لا يختلف اثنان على أهميتها.

وفيما احتفل لبنان بعيد استقلاله الـ 73 لم يكن هناك صورة معبرة أكثر من مشهد الطبقة السياسية في العرض العسكري. وجوه متجهمة ولغات جسدية تعبر عن تنافر بين قادة عليهم أن يتحدوا لينقذوا اللبنانيين من الإفلاس السياسي والمالي والاجتماعي. جلسوا في الهواء الطلق في بيروت الغارقة في أزمة زبالة عمرها عام ونيف وكاد الذباب أن يأكلهم، فيما شاشات النقل المباشر تبث إيماءات الوزراء وهم يطردون ذبابة من هنا وأخرى من هناك. حتى الزبالة كانت كعكة تقاسموها فيما بينهم وعندما طالب أحدهم بحصة قامت الدنيا ولم تقعد ورميت الزبالة في الطرقات.
اختلفوا على السياسة والعقيدة والمبادئ وخطة التنفيذ وعلى كل شيء آخر، واتفقوا على تقاسم الكعكة.

وإذا جاع الناس فليأكلوا كعكاً عبارة نُميت للملكة الفرنسية ماري إنطوانيت عندما سئلت عن شعبها الجائع في القرن الثامن عشر، لكن الكعك ليس من نصيب الشعب اللبناني. فخلف الأبواب الموصدة جوع وديون وأوضاع معيشية صعبة على أبواب فصل الشتاء، وإذا كنت سائحاً تتجرأ أن تزور لبنان رغم تحذيرات السفارات الغربية والعربية فلا تغشك المظاهر. فلبنان الأخضر أصبح شعاراً والناس تئنُ بصمت ومتعلقة بخيوط رفيعة من الأمل، وكأنها تشتري الوقت. تسمع هذا يقول “صار في رئيس وصار عنا أمل إنو يتحرك البلد” وتسمع آخر يقول “لا يهمنا على ماذا اتفقوا المهم انو يتفقوا ونخلص”. يشعر عامة الناس أن لبنان مثل كعكة يتقاسمها الزعماء ولا يبقى للناس سوى الفتات.

أمام العهد الجديد فرصة ذهبية ليثبت للبنانيين أن لبنان “الكعكة” هو ملك الناس. الجميع من أهل السلطة من دون استثناء متهم بالفساد ربما عن وجه حق، وربما ظلماً لكن في كل الأحوال ليكن عهد مصارحة في جميع الملفات وبالأخص ملف النفط. من حق الناس أن تتشارك “كعكة النفط” لا أن تسمع عن صفقات تُجرى خلف أبواب موصدة. اللبنانيون تواقون لفتح صفحة جديدة على أن يكون عنوانها الشفافية ففي القرن الحادي والعشرين أصبح الشعب يطالب بقضمة من “كعكة لبنان”، أو من الحلوى. فوسائل التواصل الاجتماعي تناقلت صورة طريفة خلال العرض العسكري احتفاءً بعيد الاستقلال لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري يوزع “البونبون”، أي (الحلوى) على رئيسي الجمهورية ميشال عون والنواب نبيه بري، تُرى هل بدأ عهد تقاسم الكعكة مع الشعب؟!