الرئيسية » اخترنا لكم » مصر هبة المصريين: يوسف القعيد

مصر هبة المصريين: يوسف القعيد

وهل خلت مصر من الكفاءات؟! سؤال أطرحه على نفسى كلما وجدنا أنفسنا أمام تشكيل أو تغيير أو تعديل وزارى؟ أهمس لنفسى «والنفس قد تكون أمَّارة بالسوء» هل نستبدل عبارة: عمار يا مصر بعبارة أخرى تتحدث عن الخراب؟
هذه الحيرة عند اختيار الوزراء تعنى إما أن البلد خلا من الكفاءات. أو أن من يشكلون الوزارة لا توجد لديهم قاعدة بيانات يتم تجديدها. أو أن من يشكل الحكومة يريد أن يشعر المصريين أنه بذل جهداً بحثاً عن الأفضل.
إنها أول حكومة تشكل بعد أن أصبح لدينا رئيس. سبق ترشحه أن قدم للوطن خدمة جليلة. والناس طلبوا منه الترشح وألحوا عليه وخرجوا بالملايين يرجونه. وعندما فكَّر فى الأمر طويلاً. غضب المصريون واعتبروا أنه لا يستجيب لرجائهم. ورجاء الشعوب أوامر. وأحلام الشعوب قرارات. ثم إنها آخر حكومة معينة. والحكومة القادمة ستكون منتخبة.

لم يعجبنى الهروب إلى الشخصنة. فأول أمر عند تشكيل حكومة يتم تدارسته والتوقف أمامه هو المهام الملقاة على عاتق الحكومة. والدور المنوط بها. لكن رئيس الحكومة بمجرد تكليفه حتى خرج ليعلن أنها حكومة حرب. وأن مهمتها تنفيذ برنامج الرئيس. ولو أن برنامج الرئيس ينفذ فى ثلاثة أشهر لتصورنا أن الحياة فى مصر جمهورية فاضلة. لأن تنفيذ البرنامج يتطلب أن يكون هناك تصور لأمور عاجلة وأخرى آجلة. ونبدأ بالعاجلة على طريقة إطفاء الحرائق.

دهشت، بل وذهلت من السرية المطلقة التى أحاط بها رئيس الوزراء تشكيل حكومته. ذهب الزملاء الصحفيون فى اليوم الأول إلى مجلس الوزراء. فلم يجدوا رئيس الوزراء هناك. وبدأت عملية التخمين. اتجهوا إلى مقر شركة المقاولون العرب فلم يجدوه. ذهبوا إلى هيئة الاستثمار المقر البديل لمجلس الوزراء عندما كانت المظاهرات تحاصر مقره الأساسى لم يكن هناك.

فى اليوم التالى بدأت عملية التخمين ليس عن الوزراء الجدد ولا الوزراء القدامى الذين تقرر استمرارهم. ولكن عن المكان الذى يجرى منه رئيس الوزراء مشاوراته. قال البعض إنه أجرى مشاوراته فى أحد فنادق القوات المسلحة بمدينة نصر ليضمن السرية المطلقة. ثم اتضح أنه ذهب إلى مقرٍ بديلٍ للمقاولين العرب فى أحد العمارات المطلة على نيل المعادي.

ما يجرى فى المشاورات لا بد من اعتباره أسراراً. لكن إن كانت هناك رغبة فى احترام هذا الشعب وإشراكه فى مصيره. لا بد من إعلان الأسماء التى نوى رئيس الوزراء عرضها على رئيس الجمهورية بعد أن يستقر على اختيارها. أما السرية المطلقة فهى تعنى أن الرأى العام لا قيمة له عند من يتولون أمور البلد.

لا ألزم رئيس الوزراء بأخذ رأى الناس فى الوزراء الذين سيتعاملون معه. لا توجد آلية لذلك. ولا يشكل هذا حلاً للمشكلة. لكن فى الديمقراطيات الغربية التى نسعى لتقليدها واستنساخها فى بلادنا يقومون بما يسمى بـ «بالونات» الاختبار. يطرحون هذا الاسم أو ذاك وينتظرون ردود الأفعال. وفى بلادنا تعودنا أن تعبر الفئة المقصودة بهذا الوزير أو ذاك أن تتظاهر ،أو أن تحتج، أو أن تلجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعى.

وإن اعتبرنا أن من يحكمون مصر الآن أتت بهم للحكم مظاهرات وكتابات على النت. فلا يجب النظر لهذه الأمور الآن على أنها جرائم. لا يمكن أن يصل الحكام للحكم عبر أدوات جماهيرية تعتبر من حقوق الناس. ثم يتم التعامل معها فى اليوم التالى باعتبارها جرائم ويتم حرمان الناس من اللجوء إليها إن طرح عليهم هذا الاسم أو ذاك.

يملؤنى الأمل فى أن الأفضل قادم. وأن أجمل أيام مصر هى التى لم نعشها بعد. وأننا علينا أن نستعد من الآن لكى نلوِّح لما مضى بتلويحة الوداع. لكنى أعترف وبصراحة قد تغضب الآخرين منى أن الاستهلال لم يكن فى مستوى الموقف. فقد سمعنا أن الوزير مفروض أن يكون فى مكتبه فى الثامنة صباحاً. ولو حدث هذا فلا يعد مقياساً للقيام بالدور على الوجه المرضي. ولا أقول الأكمل، فالكمال لله وحده.

غياب فلسفة عامة لطريقة حكم مصر أو مشروع كبير يعمل تحته المصريون جميعاً من الكبير حتى الصغير هو السمة التى نستهل بها عصراً جديداً ونتغنى بمصرٍ جديدة ونتحدث عن أطفالنا وأحفادنا ونحسدهم على الأيام الجميلة التى تنتظرهم. لست من هواة النقد لمجرد النقد. ولا أنظر أبداً للنصف الفارغ من الكوب.

ولكن تعالوا ننظر للطريقة التى تمت معالجة قضية التحرش بها. سمعنا أنه مطلوب من قواتنا المسلحة وجهاز الشرطة دراسة الأمر. على أن يشترك معهما الأزهر والكنيسة. وأعتقد أن إدخال الدين فى مشاكلنا اليومية مسألة لا بد أن نراجع أنفسنا فيها. يجب ألا نكرر أخطاء من سرقوا سنة من عمرنا. فالدين من الثوابت، والتصرفات اليومية من المتغيرات. وإدخالهما فى جملة واحدة له تبعات قد تكون ضارة بالوطن والمواطن.

فى اليوم التالى تذكروا أن فى مصر المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية. واحد من إنجازات الخمسينيات العظيمة. فتقرر أن يشترك فى دراسة الظاهرة. مع أنه من المفروض أن يعرف المسئول أن التحرش عرض أكثر من كونه مرضا. حالة لا بد من مواجهتها. وأنا لا أبرر للمتحرش تحرشه. لكنى أسأل نفسى دائماً: ما الذى أوصله لهذه الحالة؟.

هل هى البطالة؟ هل هى ارتفاع تكاليف الزواج؟ هل عدم وجود السكن الملائم مادياً قبل أن يكون مناسباً اجتماعياً؟ هل هى عودة مصر مرة أخرى إلى ساكن القصر الذى يجاور ساكن القبر فى نفس الزمان والمكان؟ ما أتحدث عنه رؤية بعيدة المدي. لكن هذا لا يمنع من معالجات راهنة تواجه الأمر بالعقوبة الرادعة، ومحاولة استعادة المجتمع المصرى الواقى لأبنائه من أى انحراف.

أعود للوزارة. قرأت عن إنشاء وزارة جديدة لتخطيط المدن. ألا يعرف المسئولون أن لدينا جهازاً للتنسيق الحضارى يتبع وزارة الثقافة؟! قد لا يكون تخطيط المدن جزءاً من مهامه. لكن يمكن إضافة التخطيط لدوره. ثم إن استسهال إنشاء الوزارات الجديدة يدفع المجتمع ثمنه غالياً بعد ذلك.

 

الاهرام المصرية