الرئيسية » رأي وتحليل » “سرايا العباس”… في جونيه!

“سرايا العباس”… في جونيه!

أيًّا تكن المبررات والداوفع، وأيًّا تكن الحاجة ملحة لمكافحة تجار المخدرات ومروجيها، سواء في الضاحية الجنوبية أو في البقاع أو في الشمال أو في الجبل أو في أي منطقة من لبنان، فإن لا شيء على الإطلاق يبّرر “الأمن الذاتي” لأي طرف سياسي لبناني، مع ما يعنيه ذلك من تجاوز لمنطق الدولة ولمنطق بدء إستعادة الحكومة ثقة الناس بها وبدولتهم وبما تقوم به من أجل أن يكون جميع اللبنانيين متساوين في الحقوق والواجبات.

فلو افترضنا أن طرفًا سياسيًا، وبحجة أن تجار المخدرات باتوا يشكّلون خطرًا داهمًا على أبناء منطقة معينة، في جونيه أو في عاليه أو في طرابلس أو صيدا مثلًا، قام بتشكيل “سرايا” شبيهة بـ”سرايا العباس”، فما ستكون عليه ردّة فعل سائر اللبنانيين، الذين لا يعيشون في هذه المنطقة بالتحديد، وهم قادرون على أن يكون لهم “سراياهم” الخاصة.

وهكذا يبدأ “الأمن الذاتي”، وهو كان تجربة فاشلة، حتى في عزّ أيام الحرب، وغياب الدولة أو تغييبها، وهكذا يتمّ الإستغناء عن الحدّ الأدنى من وجود المؤسسات الشرعية، وبالأخص المؤسسات الأمنية، التي يعّول عليها اللبنانيون كثيرًا في مجال الإطمئنان إلى أمنهم وإلى إستقرارهم، وإلى مركزية الأمن، حتى داخل المؤسسات الأمنية ووحداتها، التي توصلت إلى قناعة بأن التنسيق في ما بينها وتبادل المعلومات المخابراتية يؤديان إلى نتائج أفضل بكثير مما لو كان كل جهاز يعمل لوحده ومن دون التنسيق المسبق واللاحق لكل عملية أمنية.

وبغض النظر عن دور السلاح في غير يد القوى الأمنية الشرعية في الداخل اللبناني، وبغض النظر عن الحساسية التي أثارها وجود ما يسمى بـ”سرايا الدفاع” في الأحياء السكنية الداخلية، وما يمكن أن تثيره فكرة “الأمن الذاتي” في أي منطقة لبنانية، وأيًّا تكن المبررات التي حتمّت هذه العراضة لـ”سرايا العباس” فإن وجود وزيرين من “حزب الله” داخل الحكومة يناقض هذه الخطوة وينسف فكرة قيام دولة قوية بقوى أمنها التي تبقى المسؤولة الوحيدة عن أمن المواطنين في أي منطقة لبنانية.

ومن دون الذهاب بعيدًا في التحليل والإستنتاج تبقى هذه “العراضة” في رسم الباحثين عن قانون جديد للإنتخاب يأخذ في الإعتبار هواجس كل المكونات التي تضع نصب أعينها ضرورة التوصل إلى ما يعزّز حضور الدولة وعدالة التمثيل في الندوة البرلمانية، خصوصًا أن لدى بعض الأطراف اللبنانية توجسًا من أي دور أمني خارج حدود السلطة الواحدة والموحدّة.