الرئيسية » خبر وتحليل » في ذكراها 42: هل انتهت الحرب؟

في ذكراها 42: هل انتهت الحرب؟

… وفي 13 نيسان 1975 انطلقت الرصاصة الأولى لتعلن بدء الحرب الأهلية اللبنانية بشكلها المسلح. لم تكن القضية بوسطة عين الرمانة بل قلوب مليانة. كما لم تكن كلّة الأطفال في أواسط القرن التاسع عشر سبب الحرب الأهلية آنذاك.

انفجار الحرب بشكلها المسلح كان تعبيراً عن المأزق الذي وصل إليه الوضع في لبنان بعوامله الداخلية والإقليمية. داخلياً لم يعد النظام الطائفي قادراً على إصلاح نفسه من داخله، وتقديم تنازلات لحركة شعبية تسكن الشوارع وعابرة للطوائف تحمل خطاباً تغييراً، مقابل خطاب السلطة الداعي للمحافظة على امتيازات الهيمنة الطائفية آنذاك. وإقليمياً كان دخول العامل الفلسطيني المسلح القادم من الأردن، يحمل مشروعاً يقوم على استخدام لبنان منصة للعودة إلى وطنه. ووقوف أحد طرفي النزاع اللبناني إلى جانبه مقابل طرف لبناني آخر أعلن صراحة عدائه لوجوده ونشاطه.

 

هذه الحرب لم تكن الوحيدة حتى تاريخه. فقد هُزم الطرف التغييري صيف 1976 بفعل الدخول السوري، وتحولت الحرب إلى حرب أخرى بين طوائف تسعى كل منها للهيمنة على الطوائف الأخرى. الدخول السوري عام 1976 لم ينه الحرب، بل أدارها بطريقة مكنته من الإمساك بالجميع، والاحتلال الإسرائيلي عام 1982 لم ينه الحرب بل أجرى من خلال الاحتلال عملية جراحية للوضع اللبناني عمقت الانقسامات الطائفية والمذهبية وأشعلت حروباً صغيرة في مناطق مختلفة في البلد.
الحروب الصغيرة استمرت حتى بعد اتفاق الطائف الذي أبدل الهيمنات والذي يبدو أنه آخر محاولة لإصلاح النظام الطائفي من داخله. فأنتج نظام حكم أسوء من سابقه، متسلحاً بانتصار وحيد، أنه أوقف إطلاق الرصاص. لكن التطبيق الممكن لاتفاق الطائف أوصلنا إلى ما نحن عليه، محاصصة سياسية. نظام فاسد كامل وشامل، سلطات لا همّ لها سوى نهب المال العام واستخدام الخطاب التعصبي لزيادة الانقسام بين أبناء الطوائف والمذاهب، إبعاد شبح المواطنة عن البلد، وإصرار كل فريق سلطوي مذهبي على تنفيذ خططه حتى لو تعارضت مع خطط الآخرين، وتحولت الأزمة من أزمة نظام طائفي إلى أزمة كيان أيضاً، وكل أزمة تتغذى من الأخرى. بعد 42 عاماً على بدء الحرب الأهلية يبدو أن تغيير النظام الطائفي اللبناني ما زال ضرورة للخروج من هذا المأزق، نظام لا يستطيع أن يحل مشكلة النفايات، ولا الوصول إلى نظام انتخابي عصري وعادل، وغير قادر على إدارة ملف النفط بشكل وطني يؤمن مستقبل الأجيال القادمة. هذا النظام ألا يستحق التغيير؟ نظام موروث عن حقبة القرون الوسطى من نظام الملل العثماني، يقوم على قاعدة التفكك الاجتماعي للبنانيين وتحولهم إلى طوائف كل منها لها كيان خاص وتواجه أزمة تواصل مع الآخرين، حيث تتغلب علاقات القطع والانفصال على علاقات التواصل.
نظام يمنع دخول البلد في مسار تطور يؤدي بنا لنكون مواطنين وليس رعايا طوائف، ويحجز إمكانية تطورنا لنكون شعباً على قاعدة الاندماج الوطني – الاجتماعي بين اللبنانيين كأفراد أحرار.
نظام لا يسمح لنا بناء دولة مستقلة، بل يجعل البلد مكشوفاً للخارج من خلال استقواء الزعماء السياسيين للطوائف بالخارج، الذي هو أصل تشكل النظام الطائفي في لبنان إثر حوادث 1840 وفي جميع النماذج التي تلت القائمقامتين: المتصرفية، الانتداب، الاستقلال والطائف، أنه نظام يقوم على التمييز بين اللبنانيين حسب القيد الطائفي من لحظة ولادة اللبناني واختيار اسمه وحتى وفاته. نظام لم يولّد سوى حروب وصراعات بين طوائفه، نظام فساد لم يستطع بناء قدرات دفاعية عن الوطن أفسح المجال لكل طائفة أن تبني دفاعاتها في وجه الأخرى. نظام لم ينشر وعي وثقافة وتربية وطنية. نظام يستحوذ زعاماته على النسبة الأكبر من الدخل الوطني.

 

وماذا أورثنا هذا النظام الطائفي من خسائر؟
أهم خسارة هجرة شبابه، التي يتغنى زعمائه اليوم بهم ويدعوهم للعودة إلى بلد هربوا منه بسبب نظامه ويطلبون منهم العودة للعيش في ظل نفس النظام.
أورثنا هذا النظام، غياب فرص العمل وارتفاع معدل البطالة، وضرب القطاعات المنتجة والعيش على الربح الريعي، نظام أوصل نسبة كبيرة من اللبنانيين إلى العيش تحت خطر الفقر. أوصلنا إلى الإحباط ولا انتماء وطني.
في ذكرى الحرب، نحن أمام احتمالين: الأول: أن ينجح البلد في توليد حركة تغيير تؤسس لحركة شعبية وازنة. والثاني: أن تتواصل المسيرة الانحدارية وصولاً إلى الانهيار.. إلى الفوضى. ومع ذلك ممنوع على اللبنانيين كتابة تاريخهم ليكرروا حروبهم الداخلية وليبقى لبنان بيت بمنازل كثيرة. لذلك نتساءل: هل انتهت الحرب أم ما زلنا في أتونها؟

وفيق الهواري