الرئيسية » اخترنا لكم » النعيم والجحيم في الديانات السماوية

النعيم والجحيم في الديانات السماوية

مع أكثر من 3 مليار تابع لها في العالم اليوم، فالأديان الإبراهيمية (أو الديانات السماوية كما تعرف في العالم العربي) هي الأكثر تأثيراً في ثقافة العالم اليوم.

وعلى الرغم من الخلافات التي تبدو كبيرة اليوم بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، وحتى بين فروعها المتعددة، فهي تشترك بجذر موحد دون شك. فبالدرجة الأولى تتشارك جميعاً قصة الخلق ووحدوية الإله، وكذلك الوصايا العشر لموسى (والتي وإن لم تكن النصوص الإسلامية تذكرها بنفسها، لكنها بالتأكيد تذكر محتواها).

وعدا عن ذلك، فالميثولوجيا الإبراهيمية عموماً تعتمد على الجذر التوراتي بشكل كبير، وبينما المسيحية تعتمد على التوراة كاملة كجزء من النصوص المقدسة، فالإسلام يستعير القصص التوراتية بشكل كبير يجعل دراسة القرآن بشكل نقدي متعذرة دون مقارنته بالتوراة بشكل دائم.

بغض النظر عن الاختلافات الظاهرية الكبيرة في الطقوس بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، فالخلافات العقائدية محصورة بشكل أكبر، ولعل واحداً من أكبر هذه الخلافات هو مفهوم النعيم والجحيم، فبينما يظن الكثيرون أن المفهوم متطابق في الأديان الثلاثة وطوائفها، فهو مختلف بشكل كبير ولاقى العديد من التغييرات والتعديلات مع الزمن.

اليهودية القديمة: لانصوص تحدد مضامين “الحياة الآخرة”

كما الأديان الإبراهيمية الأخرى، فاليهودية تؤكد بشكل قاطع بأن الموت ليس النهاية، والوجود البشري ليس محدوداً بالسنوات التي يقضيها الإنسان على سطح الأرض. لكن مع التأكيد اليهودي على وجودة حياة بعد الموت، فلا يوجد أية تحديدات لمضمونات هذه الحياة، خصوصاً مع تركيز اليهودية على فكرة الثواب والعقاب ضمن الحياة الأصلية للإنسان.

معتقدات ما بعد الموت في اليهودية تتراوح بشكل كبير، فبالنسبة للصالحين فالثواب قد يكون على شكل إعادة البعث لمرات عديدة (التقمص) أو “القيامة” مع قدوم المسيح المخلص أو حتى كون القيامة عملية مستمرة غير محصورة بوقت واحد فقط.

يؤمن معظم اليهود بوجود عالم لاحقٍ بعد الموت يبدأ بالقيامة ويسمى “أولام ها با” (العالم الذي سيأتي) وعلى عكس التفاصيل التي تبدو مادية للجنة الإسلامية، فالنعيم اليهودي أقرب لحالة روحية من الصفاء المطلق في “جنة عدن” والمختلفة تماماً عن “الجنة” التي خلق بها آدم وحواء أبوا البشر.

مفهوم “الجحيم” ضبابي للغاية في اليهودية، فمع غياب أي ذكر للعذاب الأبدي، فالعذاب ليس غائباً تماماً، وبينما غير المؤمنين لا يمرون بالقيامة أصلاً (تفنى أرواحهم)، فالعصاة من المؤمنين يهبطون إلى وادي “جهنم” للتكفير عن ذنوبهم.

هذا التكفير عن الذنوب غير متفق على طبيعته، فالبعض يراه مرحلة يشاهد فيه العصاة عواقب أفعالهم السيئة، بينما يرى آخرون أن كل ذنب يقوم به اليهودي يخلق ملاك عذابٍ (شيطاناً) يقوم بتعذيبه لاحقاً في جهنم ليكفر عن خطاياه ويستحق الصعود إلى عالم النعيم أو “مملكة السماء”.

على الرغم من أن التوراة لا تذكر وجود جهنم أو عذابها، فالتلمود يركز على كون “جهنم” مرحلة مؤقتة فقط محدودة بـ 12 شهراً فقط، مع كون طبيعة العذاب فيها أقرب لكونها مشاعر ندم وأسف لا عذاباً جسدياً.

مصير الشخص،بعد فترة جهنم، غير محدد في الواقع، فالبعض يعتقد أن المذنب بشكل كبير تفنى روحه تماماً، بينما يظن البعض أن روحه تبقى في حالة دائمة من الندم والأسف للأبد. أما المؤمن الذي يعاقب لخطايا قليلة، فمصيره النهائي هو حالة النعيم بعد تطهير روحه.

 

المسيحية: نعيم معنوي، وجحيم مُختَلف عليه

على عكس اليهودية والإسلام، فكرة الخطيئة الأصلية الناتجة عن عصيان آدم للإله في الجنة تلعب دوراً محورياً في العقائد المتعددة لمختلف الكنائس المسيحية.

فبينما يولد الإنسان طاهراً لدى اليهود والمسلمين، في المسيحية،  ا يتخلص الإنسان من خطيئته الأصلية إلا بقبوله ليسوع كمخلص له وإيمانه بالثالوث المقدس (الأب والابن والروح القدس).

الدور الكبير للخطيئة الأصلية في المسيحية يأتي من محورية صلب المسيح وكون هذه التضحية كفارة للخطيئة الأصلية التي ورثها البشر.

INSIDE_heaven2

تصف الكنائس المسيحية الجنة غالباً بكونها مكاناً من الصفاء الروحي والاقتراب من الإله، فهي بذلك ليست مجسدة وحتى أنها ليست مكاناً محدداً بنظر الكثيرين، بل هي حالة من السعادة المطلقة والمحبة التي لا يشوبها أي ألم أو سوء أو مشاعر سلبية من أي نوع.

الجحيم بالمقابل، يعامل على أنه فيزيائي إلى حد بعيد، فالعذاب فيه جسدي بالإضافة للعذاب النفسي، ومقابل الجحيم المحدد بوقت معين في اليهودية؛ هو أبدي وخالد في المسيحية، والمعذبون فيه من الكفار الذين رفضوا قبول يسوع كمخلص لهم يخلدون فيه للأبد دون أمل بالخروج منه، تبعاً للعقيدة الكاثوليكية ومعظم الكنائس المشرقية الأرثوذوكسية. 

الخلاف الأساسي في مفهوم الجحيم يأتي في أبديتها، فالكنائس الإصلاحية التي بدأت من حركة مارتن لوثر وأنشأت البروتستانتية التي تفرعت لاحقاً، ترى الجحيم كمكان مؤقت غير أبدي والعذاب فيه يأتي لتطهير النفوس لا لعقابها.

بالمقابل فالكاثوليكية ترى عذاب الجحيم غير أبدي فقط لأولئك المؤمنين العصاة، وواحد من أهم الأعمال الأدبية المرتبطة بالكاثوليكية هي الكوميديا الإلهية التي كتبها دانتي، وتروي رحلته عبر مراحل العذاب في الجحيم ليصل للمطهر حيث يتطهر من ذنوبه ويستحق دخول النعيم.

تتفق الكنائس المسيحية عموماً على كون عذاب الجحيم يأتي مقسماً إلى 7 مستويات (كلنعيم المقسم بدوره إلى 7 مستويات)، كل منها مخصص لفئة محددة من المعاصي والذنوب التي لها عقوباتها المناسبة. والعذاب مؤقت لمن يمتلك الإيمان، إلا أنه أبدي لمن هم خارج الكنيسة.

وجهة النظر هذه بدأت بالتغير نسبياً في الكنيسة الكاثوليكية خصوصاً مع تصريحات البابا (السلطة الكنسية الأعلى وخليفة الإله على الأرض بالنسبة للكاثوليك) التي تكلم فيها عن الخلاص للجميع حتى لمنكري وجود يسوع وكونه مخلصهم.

الإسلام: جنة ملموسة، وجحيم أبدي

وفق النصوص الإسلامية، الحياة الآخرة أبدية، ولكنها لا تبدأ فوراً بعد الموت، بل بعد “يوم القيامة”، بعد أن ينفخ إسرافيل في الصور “نفخة البعث”.

فخيشغ مخطوطة من العصر المملوكي (من مقتنيات المتحف البريطاني)

فيحاسب الناس وفقاً لحسناتهم وسيئاتهم خلال حياتهم، ومن ثم يعبرون “الصراط” للوصول إلى الجنة، حيث يكون ضيقاً جداً للكفار الذين يقعون عنه ليخلدوا في النار للأبد. فكرة الصراط في الإسلام مشابهة للغاية للجسر الذي يعبر عليه الناس يوم الحساب الموجودة في الزرادشتية القديمة (المجوسية).على عكس كل من المسيحية واليهودية، فالجنة الإسلامية موصوفة بدقة، كمكان حقيقي تعمّه أساليب الحياة الرغيدة والسعادة. فالقرآن الذي يشكل المصدر الأساسي للتشريع الإسلامي والذي يراه المسلمون منزّل من الله، يصف الجنة بتفاصيل متعددة مع أنهار من العسل واللبن وفاكهة وطيور وطبيعة جميلة وحتى قصور وجواري وغلمان.

النعيم الإسلامي كما المسيحي، مقسم إلى سبعة مستويات لكنه موصوف بشكل مادي، وهنا لابد من الإشارة إلى ميل البعض وخصوصاً الطوائف الباطنية والجماعات الدينية الصغرى، لاعتبار النعيم تجربة روحانية لا جسدية وحسية.

الجحيم في الإسلام أبدي بشكل مطلق للكفار والمنافقين، ولأي أحد ينكر أُلوهية الله أو نبوة محمد أو للمشركين الذين يعتقدون بوجود عدة آلهة، وعلى الرغم من وجود الكثير من الآيات القرآنية التي تصف الجحيم بكونه أبدياً لأي من يدخله، فالعديد من شيوخ الإسلام يرون أن الجحيم مؤقت للمسلمين العصاة و مرحلة تطهير لهم وهو أبدي فقط للكفار.

إلا أن العذاب جسدي إلى حد بعيد، وله أنواع وأشكال عديدة، تستفيض النصوص الإسلامية بوصفه. ولكن على عكس المسيحية، فالشيطان (إبليس) ليس من يحكم النار عند المسلمين، بل يخضع للعذاب فيها كذلك كعقاب لرفضه للسجود لآدم عند خلقه.

INSIDE_heaven4

العقائد الإبراهيمية الثلاثة تتشابه بشكل كبير للزرادشتية في نظرتها للآخرة: فالنعيم تحول بشكل كبير من تجربة روحية مشابهة لأفكار الأديان المشرقية، إلى تجربة جسدية أو مجسدة، كما أن الفكرة الأساسية المشتركة في جحيمها هي كونها مرحلة تنقية وتطهير من الذنوب للمؤمنين، ولو أن مدتها تتغير من كونها مؤقتة للجميع في اليهودية إلى الأبدية في الأديان الإسلام والمسيحية.

علي نعيم حسن