الرئيسية » رأي وتحليل » بين الوضوح والغموض.. موسكو تتقدّم على واشنطن في الشرق الأوسط!

بين الوضوح والغموض.. موسكو تتقدّم على واشنطن في الشرق الأوسط!

لم يكن مستغربًا أن تُظهِر آخر استطلاعات الرأي أنّ نظرة العالم العربيّ إلى روسيا أصبحت تتّسم في الوقت الراهن بالمزيد من الإيجابيّة قياسًا بما كان عليه الحال في السابق، وخصوصًا في أوساط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانيةَ عشرَ وأربعةٍ وعشرينَ عامًا، الأمر الذي تجلّى بوضوحٍ من خلال ما نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” العريقة عن نتائج بياناتِ مسحٍ سنويٍّ أُجري لثلاثةِ آلافٍ وخمسمئةِ شخصٍ في سبعَ عشرةَ دولةً عربيّةً، من بينها لبنان، حيث صوَّت واحدٌ وعشرونَ في المئة من المستطلَعين لصالح روسيا باعتبارها الحليف الدوليّ الرئيسيّ والأكثر ثقةً للدول العربيّة، بينما بلغت نسبة المصوِّتين لصالح الولايات المتّحدة الأميركيّة في هذا المجال سبعةَ عشرَ في المئة فقط.

لا شكّ في أنّ الانخراط السياسيّ والعسكريّ الروسيّ في شؤون منطقة الشرق الأوسط وشجونها، عبر البوّابة السوريّة، كان له بالغ الأثر في إيجاد أكثرَ المناخات ملاءَمة على صعيد تمكين موسكو من مخاطبة عقول الشعوب العربيّة بشكلٍ مباشِرٍ، الأمر الذي سرعان ما أدّى إلى تعزيز الروابط بين الطرفين، ولا سيّما بعدما اتّضحت طبيعة وأبعاد الخطط الروسيّة الموضوعة لهذه المنطقة أمام الجميع، سواءٌ في مجال المحافظة على الثوابت الخاصّة بمحاربة الإرهاب أم في مجال الإصرار على أخذ مصالح كافّة الأطراف الإقليميّة والدوليّة في الاعتبار لدى الإعداد للتسويات المطلوبة، وهي الخطط التي تبدو أكثر وضوحًا بالمقارنة مع ما شهدته المنطقة خلال تاريخها الحديث من مشاريعَ أجنبيّةٍ غامضةٍ ومتقلِّبة، وخصوصًا في الوقت الراهن الذي لا يزال يُظهر المؤشّر تلو الآخر، ويومًا بعد يومٍ، على أنّ ما يسمّى الشرق الأوسط الجديد، أو الشرق الأوسط المختلف، أصبح على وشك التكوُّن بالفعل، وفقًا لأسسٍ سياسيّةٍ جديدةٍ ومفاهيمَ استراتيجيّةٍ مستحدَثة.

إنّ القرار الذي اتّخذه الرئيس فلاديمير بوتين في شهر أيلول عام 2015 بشأن خوض الحرب على الإرهاب في سوريا، لم يكن أكثر أو أقلّ من تعبيرٍ صادقٍ عن إحدى تجلّيات الروح الروسية، حيث “البحث عن النظام”، عبر دعم مؤسّسات الدولة السوريّة والحيلولة دون انهيارها، في “الفوضى” التي خلّفتها عبثيّةُ ممارسات الأطراف المتصارعة، وعلى رأسهم عناصر تنظيم “داعش” ومشتقّاتهم الظلاميّة، كان بحدّ ذاته من بين الأهداف الرئيسيّة التي حدّدتها القيادة الروسيّة لسقف عمليّاتها العسكريّة.

وعلاوةً على ذلك، لا بدّ من الإشارة أيضًا إلى نقطةٍ بالغةِ الأهمّيّة، وتتمثّل في أنّ الرئيس بوتين، عندما أعلن اعتزامه شنّ الحرب على الإرهاب في سوريا، لم يخرج إلى حديقة قصر الكرملين على غرار ما فعله نظيره جورج دبليو بوش، عندما توعَّد دول العالم وانتهك سيادتها من حديقة البيت الأبيض بتصريحه الناريّ الذي افتتح به موسم حربه على تنظيم القاعدة في أفغانستان عام 2001، والذي جاء فيه “من ليس معنا فهو مع الإرهاب”، بل إنّه، أي الرئيس بوتين، ذهب إلى مقرّ الشرعيّة الدوليّة في نيويورك، وألقى خطابه أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، ودعا إلى تشكيل تحالفٍ دوليٍّ ضدّ الإرهاب على غرار التحالف الذي تشكّل ضدّ النازيّة خلال الحرب العالميّة الثانية.

لا شكّ في أنّ الهاجس الروسيّ كان يتمثّل خلال تلك الفترة، أي عام 2015، في الخشية من خروج ما يمكن تسميتُه بـ “شطحات” التحالف الستّينيّ الذي شكّله الرئيس باراك أوباما لمحاربة “داعش” قبل ذلك بعامٍ كاملٍ عن السيطرة، ولا سيّما أنّ القيادة الروسيّة، لم تكن تحتاج إلى التمتّع بالكثير من سمات النباهة لكي تدرك أنّ ما جاء في إعلان أوباما وقتذاك عن أنّ الحرب على “داعش” ستستغرق زهاء العشرين عامًا، يعني في إطار ما يعنيه أنّ الولايات المتّحدة عازمةٌ على استنزاف المنطقة من محيطها إلى خليجها لمدّة عشرين عامًا، الأمر الذي دفع موسكو، إضافةً إلى عواملَ عديدةٍ أخرى، إلى الإسراع في التحرّك عسكريًّا، أملًا في دفع التحالف الستّينيّ إلى “تصويب” إبرة بوصلة حربه على الإرهاب، على أساس مبدأ “البحث عن النظام في الفوضى”.

وإذا كان سيل الأمثلة على سياسة “الوضوح البنّاء” الروسيّة في مواجهة سياسة “الغموض البنّاء” الأميركيّة له أوّلٌ وليس له آخِر، فإنّ ذلك لا بدّ من أن يفسِّر سرّ التحوُّل في مزاج الشارع العربيّ، حسب ما أظهرته نتائج استطلاع الرأي التي نشرتها صحيفة “فاينانشال تايمز” العريقة مؤخَّرًا، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ نسبة الواحدِ والعشرينَ في المئة التي جاءت لصالح روسيا لم تكن تتجاوز العام الماضي التسعةَ في المئة، وأنّ نسبة السبعةَ عشرَ في المئة التي جاءت لصالح الولايات المتّحدة سجّلت انخفاضًا حادًّا بعدما كانت قد بلغت العام الماضي خمسةً وعشرينَ في المئة.. وممّا لا شكّ فيه هو أنّ هذا التفاوت الواضح لا بدّ من يعني الكثير في الحسابات الاستراتيجيّة المقبلة.. والخير دائمًا من وراء القصد!