الرئيسية » رصد » أنا ماروني متعصّب!

أنا ماروني متعصّب!

أنا الماروني المتعصّب لمسيحيتي ولمارونيتي، ولكن المتعصّب أكثر للبنانيتي وبالقدر نفسه لعروبتي، إستفزّني ما تناقلته الأخبار عن الإقتراح القائل بنقل بعض المقاعد المارونية من دائرة إلى أخرى.

وأكثر ما استفزني نقل المقعد الماروني من طرابلس إلى البترون، وكأني بأصحاب هذا الإقتراح يحاولون “حشر” المسيحيين عمومًا والموارنة خصوصًا في زوايا الوطن الضيقة، فلا يعود لوجودهم خارج كسروان وجبيل والبترون والمتن أي معنى، وكأنه خارج هذه البقعة الجغرافية يصبح “غريبًا”، على الطريقة الكسروانية، أو يصبح سائحًا في الشمال غير المسيحي أو البقاع أو الجنوب.

ما سها عن بال اصحاب هذا الإقتراح أن الوجود المسيحي في كل بقعة من بقاع الوطن هو تكريس لصيغة لبنان الفريدة، وهذا ما فهمه على حقيقته البابا القديس يوحنا بولس الثاني حين وصف لبنان بـ”الرسالة”، وهو لم يطلق هذه التسمية عن عبث أو لمجرد فكرة خطرت على باله، بل ذهب أبعد مما يذهب إليه بعض المسيحيين، الذين لم يقرأوا التاريخ جيدًا ولا يعرفون حقيقة معنى هذا الوجود خارج المناطق المسماة مسيحية.

فمن لا يعرف كيف كان اللبنانيون، مسلمين ومسيحيين، يعيشون في طرابلس، وكيف كانوا يتقاسمون “الحلوة” و”المرّة” قبل أن تعصف بها الحرب الأهلية وقبل أن يلبسوها ثوب التطرف، يستسهلون فكرة نقل المقعد الماروني من عاصمة الشمال إلى منطقة لا يضعها نائب ماروني بالزايد على خارطة صيغة العيش المشترك.

سمعت كلامًا كثيرًا في اليومين الماضيين من بعض السذجج الذين لا يتطلعون إلى أبعد من أنوفهم مفاده أنه ما لنا في طرابلس ليس لنا، وكأن بهم ينسفون بهذه الخفة تاريخًا مشتركًا بناه الأجداد والأباء وحافظوا عليه برموش العين. ويكفي أن نستذكر الدور الوطني الذي لعبه المطران انطون عبد، الذي جعل من مقر مطرانيته في طرابلس صرحًا وطنيًا لجميع أبناء الشمال، وكيف كان يدافع عن جميع المظلومين من دون تفرقة، وهو كان مرجعية لجميع الطرابلسيين وأبناء الشمال قبل أن يكون مرجعية لأبناء طائفته.

فليس بهذه الخفّة غير المستندة إلى عبر التاريخ والجغرافيا يمكن نقل مقعد من منطقة إلى أخرى، وكأن الأمر شبيه بنقل أثاث منزل. القصة أعمق من ذلك بكثير، وهي تدخل في عمق التجربة اللبنانية الفريدة، حتى ولو لم يعد في طرابلس سوى بضعة الآف من الموارنة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى شيعة جبيل، وسنّة زحلة.

فالموارنة الباقون في طرابلس باقون فيها، سواء نُقل مقعدهم النيابي إلى البترون لأسباب إنتخابية صرفة، وهم متمسكون بعلاقة مميزة مع محيطهم، ولن يستطيع أحد تغيير منطق التاريخ بشحطة قلم.

اندريه قصاص