الرئيسية » رصد » مأساة الروهينغا بين الفبركة والحقيقة …. ما هي خلفيات الصراع في بورما ؟

مأساة الروهينغا بين الفبركة والحقيقة …. ما هي خلفيات الصراع في بورما ؟

لا يمكن معالجة أزمة ومأساة الروهينغا بشعبوية مصطنعة تنطفىء نارها بعد أيام من قبل إفتراضيين ويستغلها إرهابيون ويدفع ثمنها أبناء الروهينغا

شكلت الصور التي إنتشرت لأناس ينتمون إلى القومية الروهينغية المسلمة في بورما عبر السوشيال ميديا صدمة لدى الرأي العام الإسلامي لما تحتويه من مشاهد دموية وقاسية  ما أدت إلى إطلاق حملات إعلامية داعمة لقضية الروهينغا عبر وسائل الإعلام ومنصات العالم الإفتراضي.
لكن بعد التدقيق وفحص أكثر الصور والفيديوهات ذات الصلة تبين أن حوالي 95% من المادة الإعلامية المقدمة هي مفبركة وغير صحيحة وتعود لأحداث متفرقة ومختلفة الأزمنة حول العالم.
وهذا ما يطرح علامات إستفهام حول ما يجري حقيقة في بورما  وما هي خلفية الصراع الحاصل هناك.
ولمعرفة ذلك لا يمكن إلا قراءة تاريخ وجغرافيا المنطقة والتأثيرات السياسية والتعقيدات الدينية والعرقية داخل وبجوار هذه الدولة.

إقرأ أيضا : مجازر ضد المسلمين في بورما

 

جغرافيا وسكان بورما :

تقع دولة بورما أو ميانمار في جنوب شرق آسيا وتحدها دول كبنغلادش والصين وتايلند ولاوس والهند وتعرف أيضا بإسم جمهورية إتحاد ميانمار.
يبلغ عدد سكانها حوالي ال 50 مليون نسمة، 85% منهم يعتنقون البوذية  والباقي من السكان هم  مسلمون ومسيحيون ووثنيون وهندوس وأتباع ديانة الأرواحية.
وعند الحديث عن التركيبة السكانية في بورما لا بد من الخلط بين العرق والدين، فالعرق البورمي أو شعب البامار هم أكبر عرقية في البلاد ويشكلون 40% من السكان وهم بوذيون كذلك الأمر مع عرق الراخين في إقليم أراكان وعرقيات الشان والمون.
ويوجد عرقيات أخرى في بورما عابرة للأديان كالكاريني الذين يدينون بالبوذية والهندوسية والأرواحية.
أما العرقيات التي تعتنق بمعظمها المسيحية فهي كاشين وتشين والكارين التي تعتبر ثاني أكبر أقلية في ميانمار.
وأقلية ” وا ” يتوزع أبناؤها بين الوثنية والمسيحية ولهم حكم ذاتي في البلاد وتربطهم علاقات قوية وجيدة بالصين.
أما بالنسبة للمسلمين فتعتنق أقلية الروهينغا دين الإسلام وهم سكان إقليم أراكان المحاذي لدولة بنغلادش لكنهم لا يشكلون الأكثرية السكانية فيه بل يتفوق عليهم الراخين البوذيين.
وتعتبر معظم هذه الأقليات والعرقيات في صدام مستمر وحروب وإضطرابات مع الأكثرية البورمية البوذية، لذلك فإن الصراع ليس مقتصرا على الخلاف البوذي – الإسلامي بل يأخذ أوجه أخرى لها علاقة في بعض الأحيان بالسيطرة على الموارد الطبيعية.
لكن في ظل هذا الصراع، تعتبر أقلية الروهينغا المسلمة الأكثر إضطهادا من قبل الأكثرية البورمية بل الأكثر إضطهادا في العالم كما وصفت الأمم المتحدة.

إقرأ أيضا : الأمم المتحدة:نتوقع وصول عدد الفارين من الروهينغا لبنغلادش إلى 300 ألف

تاريخ بورما:

أقيمت عدة ممالك على أرض بورما عبر التاريخ ومن أشهرها مملكة بيجان أو باغان ومملكة آفا وباجو وراكيني وتونجو وكونبانغ وكانت، أثرت هذه الممالك في خلق مستقبل بورما فيما بعد لتكريسها كقلعة بوذية.
وصل المسلمون إليها في القرن التاسع الميلادي وكانوا تجارا وهم من العرب والفرس والهنود والأتراك والصينيين وبعض السكان الأصليين الذين إعتنقوا الإسلام وأنشأت لاحقة دولة إسلامية في إقليم أراكان، هذه الدولة التي أيضا سيكون لها أثر في طموحات الروهينغا اليوم ومصدر قلق لدى البوذيين.
بعد سقوط المملكات البورمية سيطرت بريطانيا على البلاد لمدة 124 عاما وضمتها إلى مستعمرات الهند قبل أن تبدأ الحرب العالمية الثانية وتتحول بورما إلى ساحة الصراع بين البريطانيين واليابانيين.
كان المسلمون في بورما يميلون ويدعمون اليابان في الحرب وبعد خسارة الأخيرة الحرب إتهمهم البورميون بأنهم ” عملاء “، وهذه التهمة ستتحول فيما بعد إلى ” غرباء ” دفع ثمنها الروهينغيون بأن أصبحوا مواطنون درجة عاشرة في بلادهم.
ترافق ذلك مع تأسيس شيوخ الروهينغا في شمال أراكان عام 1947  حزبا أسموه حزب المجاهدين وهدفه إقامة دولة مسلمة ذات حكم ذاتي في أراكان وكانوا ينسقون مع نظرائهم البنغلادشيين وإستمرت المواجهة مع الحكومة البورمية لسنين كثيرة.
وبين القلق البورمي من نوايا إنفصالية وواقع تمركز  الروهينغا في جغرافيا بورما، تعرضوا للعديد من الإضطهادات والقتل وتم منعهم من العديد من الحقوق خصوصا حق المواطنة وبقت النظرة لهم دونية من قبل البوذيين الذين إعتبروهم غرباء وبنغال وباكستانيين لا علاقة لهم ببورما.
عام 1948 نالت بورما إستقلالها وعام  1960 إعترفت وزارة الدفاع البورمية بالروهينغا كأقلية مسلمة رسمية في البلاد بحسب ناشطين مسلمين.

إقرأ أيضا : الحريري: مجلس الأمن والامم المتحدة مطالبان بوقف قتل الروهينغا بميانمار
بعد عامين في سنة  1962 حصل إنقلاب عسكري وحكم الجيش بقيادة الجنرال ني وين.
عام 1982 ألغى  المجلس العسكري الحاكم  بموجب قانون الجنسية جميع الإثنيات التي ينتمي إليها المسلمون خلافا للتعداد السكني للعام 73 الذي كان يعترف ب 6 قوميات مسلمة.
وبين عامي 1990 و 2015  وقعت 38 موجة عنف ضد المسلمين بحسب الحاج حسن مينت تون رئيس منظمة شباب مسلمي ميانمار.
حصلت تطورات عديدة في الحياة السياسية البورمية، فالعسكر الذي حكم ل 5 عقود سلم المدنيين السلطة في 2011 وأجريت إنتخابات ديمقراطية عام 2015 منع حينها الروهينغيين من التصويت والترشح لكن سمح لباقي الإثنيات الإسلامية بذلك ومع هذا لم يتبن أي حزب في الإنتخابات أي مرشح مسلم علما أنه تم الترخيص ل 5 أحزاب سياسية مسلمة للعمل وحتى زعيمة المعارضة حينها الحائزة على جائزة نوبل للسلام أون سان سو تشي لم تتبن أي مسلم ولم يفز أي مرشح مسلم في تلك الإنتخابات.
مع هذا صوت المسلمون لصالح حزب الرابطة الوطنية لأجل الديمقراطية  بإستثناء الروهينغا الممنوعون من التصويت وفازت الرابطة بزعامة أون سان وهي تشغل اليوم منصب مستشارة الدولة ووزيرة الخارجية وهو منصب يوازي رئاسة الحكومة.
أما الحزب الحاكم السابق والمقرب من العسكر فقد إستغل حكم العسكر لزرع الكراهية والخوف من المسلمين في معادلة قوة تكرست كفيتو معطل بالسلطة الحالية تضمن مصالح العسكر ونص عليها الدستور البورمي الذي منح العسكر ربع مقاعد البرلمان ومجلس القوميات و 3 وزارات سيادية.
وإزدادت أعمال العنف بين الراخين والروهينغا في أراكان خصوصا في سنوات 2012 و 2015  وآخرها ما حصل في 25 آب 2017.
فبحسب تقرير لهيومن رايتس ووتش ذكرت أن العديد من القرى والأحياء الروهينغية تعرضت للحرق أعقبها هجمات من جيش خلاص روهينغا أراكان أو جيش اليقين المصنف إرهابيا في بورما على مراكز حكومية وقادة للجيش ومقار أمنية تابعة للبورميين ما أدى إلى توتر الوضع ونزوح الآلاف من الروهينغيين إلى بنغلادش وسجلت تقارير حقوقية وقوع مجازر بحق الأقلية الروهينغية.
وأشارت تقارير لاحقا نقلا عن مصادر أمنية بنغلادشية تسجيلها لرؤية أشخاص قرب حدود إقليم أراكان لا ينتمون لجيش الروهينغا وهم يزرعون ألغاما على الحدود لمنع اللاجئين من العودة وتسود حالة خوف وترقب في المنطقة وسط تعتيم إعلامي تمارسه سلطات بورما حول أحداث المنطقة.

إقرأ أيضا : الروهينغا، ذنبهم الوحيد أنهم مسلمون

صفحات بيضاء :

لكن على الرغم من هذه العلاقة المتوترة فقد سجل التاريخ صفحات بيضاء في العلاقة بن البوذيين والمسلمين حيث كان الملوك البوذيين يعينون ولاة مسلمين في ممالكهم وفي مراكز رفيعة كما هو الحال في أمارابورا عاصمة مملكة بورما خلال القرني 18 و 19 والتي تتبع اليوم لمدينة ميندلي ثاني كبرى مدن البلاد وهي من المدن الإقتصادية المهمة.
الملك مين دون مين في النصف الثاني من القرن 19  إقتطع للمسلمين أراضي في ميندلي وبنى فيها 12 حيا  للمسلمين ويوجد فيها اليوم نحو  80 مسجدا وكان مشهورا عنه تسامحه مع كافة الأديان وكانوا المسلمين في عهده بمكانة مرموقة ويسمون بقومية البتي.
وقبل حكم العسكر حاز المسلمون بين ثلث ونصف المقاعد الحكومية وإختلفت الأمور بعد ذلك.
فولاية أراكان التي تسكنها قومية الروهينغا غيرت الحكومة إسمها إلى راخين نسبة إلى القومية البوذية التي تسكنها والتي سماها المؤرخون قومية الموك او الماك عبر التاريخ.
وفي مدينة سيتوي أحد أهم مدن ولاية أراكان لا يوجد في الأسواق أي مسلم فممنوع عليهم التجارة والعمل منذ العام 2012 وحوالي 40 من مساجدهم تعرضت للخراب وبعضها تحول إلى مناطق عسكرية.
35 حي وقرية تم إخلائها من المسلمين ولم يبق سوى حي واحد وهو الحي البنغالي وهو يعيش فيه حوالي 4000 مسلم وممنوع على الأجانب الدخول إليه إلا بإذن من الحكومة ويوجد بجانبه فقط 3 مساجد.
ويعيش أبناء المنطقة في مخيمات  منتشرة بمناطق قاحلة غير صالحة للزراعة والعيش ومتصلة بقرى مسلمة  ومحاصرة من العسكر ويدفعون الإتاوات للخروج وللقيام ببعض عمليات التبادل التجاري.
يرفض الروهينغا تسميتهم بالبنغال أو بالباكستانيين ويرفضون الإتهامات بأنهم يريدون إعطاء هذه الأراضي للبنغال لكن تركة التاريخ ثقيلة وتشير إلى غير ذلك.
ومع هذا يطرح جيش خلاص روهينغا أراكان أجندة سياسية وثورية لعمله العسكري يلخصه بالحق في الدفاع عن النفس وإحترام باقي الأديان ويحاول جاهدا إبعاد نفسه عن الصبغة الجهادية وإظهار نفسه كحركة  قومية تحررية.

إقرأ أيضا : رايتس ووتش تطالب رئيس ميانمار بإنهاء العنف الطائفي لمسلمي الروهينغا

خوف متبادل :

في مسلسل العنف المستمر هذا لا بد من قراءة خلفية الصراع بين الراخين البوذيين والروهينغا المسلمين في إقليم أراكان بعيدا عن الفبركة الإعلامية والشعبوية التي إجتاحت العالمين العربي والإسلامي.
فخلفية الصراع يتلخص بأنه قائم على خوف متبادل يترجم عنفا في مراحل لاحقة بين الطرفين.
ولا شك أن عسكر بورما لعبوا دورا أساسيا في تأجيج هذه الهواجس من خلال تحريضه للرهبان المتعصبين والقوميين المتطرفين على المسلمين وزرع ثقافة العنف والخوف منهم لضمان سيطرته على الشعب والحكم.
فمقابل حكم العسكر هناك بديلا وهو الحكم المدني الذي كان ينافسه ويعارضه وتصدى لهذا الموضوع أون سان سو تشي التي تعرضت للتنكيل من العسكر وسجنت وعذبت وناضلت وربحت إنتخابات ال 90 ولم يعترف بها العسكر ونالت جائزة نوبل للسلام تكريما لتضحياتها وهي نفسها من ينتقدها المسلمون اليوم لمواقفها مما يحصل.
فمسيرة سو تشي النضالية ضد العسكر توضح أحد أسباب العنف الدائر اليوم وهو ما كان يزرعه الجيش من مخاوف إتجاه الآخر في أنفس البورميين فكان يلتجأ الرهبان للعسكر لحمايتهم من الآخر وترجم هذا عنفا متبادلا لم يقتصر فقط على المسلمين بل تعداه إلى صدامات ومعارك وحروب بين البوذيين والمسيحيبن والوثنيين وحتى باقي فرق البوذية تحت مسميات مختلفة منها ما هو عرقي ومنها ما هو ديني ومنها ما هو سياسي وإقتصادي كان يريد من خلالها العسكر السيطرة على موارد البلاد.
أضف إلى هذا أن البوذية في بورما خصوصا تعتبر الرهبان حراس للوطن والأرض والدين والقومية وتقع عليهم مسؤولية الدفاع عن ذلك ولأن وسيلة الدفاع الوحيدة هي الجيش كان لا بد من هذا التقارب الذي حصل.
أزمة الروهينغا لا تخرج عن هذا السياق لكنها تأخذ بعدا وجوديا آخر يعتبره البوذيين خطيرا.
يقول ونأ تارا وهو راهب بوذي في تقرير لقناة الجزيرة  بأنه”  يؤمن بالبوذية وفي حال أهملت الحكومة الديانة البوذية فهذا يعني نهاية ميانمار” ويذكر ونأ تارا  بما حصل في ماليزيا وأندونيسيا  ” اللتين أصبحتا مسلمتين حيث إختفت الديانة البوذية وإذا لم نكن متيقظين فسنصبح دولة مسلمة.”

إقرأ أيضا : مجازر بورما بريء منها بوذا
هذا الهاجس الوجودي من الإسلام يزيده قلقا الموقع الجغرافي للروهينغا على الخريطة البورمية حيث يعتبرون الأقلية المسلمة الوحيدة في البلاد المرتبطة ديمغرافيا وجغرافيا مع بعضها البعض ومتصلة جغرافيا بدولة إسلامية هي بنغلادش ويخشى البوذيين من هذا الأمر كي لا يطالب الروهينغا بحكم ذاتي أو إنفصال خصوصا أن لأجدادهم طموح في ذلك في الماضي.
لذلك يرى البوذيين بالروهينغا أكبر منافس لهم ويخشون من إعطائهم حقوق دستورية كي لا يطالبوا لاحقا بحكم ذاتي وينفصلوا عن ميانمار.
فهناك 2 مليون لاجىء مهجر من الروهينغا إضافة لوجود 1.5 مليون في شمال أراكان وهو رقم كبير يخشى منه البوذيين كي لا يغيروا الخريطة السياسية والديمغرافية في الولاية وسيصبحون أكبر قومية مسلمة في البلاد إضافة إلى 140 ألف نازح في ضواحي سيوتي.
وفي أراكان كان أول وجود إسلامي في ميانمار ولهذا رمزية وقدسية تاريخية تدغدغ مشاعر المسلمين الذين دائما يحنون للماضي.
هذا الأمر إنعكس عنفا وتعصبا ضد المسلمين ولهذا يتضح لماذا يعمد الراخين إلى كل وسيلة تساهم في تهجير الروهينغا ما أدى إلى خلق حالة تمييز عنصرية تقول عنها وي وي نو الناشطة في شبكة السلام النسائية أن ” التمييز العنصري في بورما باتت ثقافة.”

 

بالمقابل نرى بنغلادش وهي الدولة المسلمة المجاورة لبورما والتي تستقبل النازحين الروهينغا في مخيمات، غير متحمسة لإستقبالهم وتسعى جاهدة لإرجاعهم إلى أراضيهم وهذا ما زاد من المأساة.
وتأخذ القضية بعدا إقليميا خصوصا بعدما رفضت كل من الصين وروسيا في الربيع الماضي مشروع قرار في الأمم المتحدة لتسوية الأزمة البورمية بحسب هافينغتون بوست.
أما البعد العالمي للقضية فنراها أوسع من خلال الدعاية الدينية لدى أتباع الديانتين.
فالبوذية والإسلام يتنافسان في ساحات بعيدة عن آسيا خصوصا في أوروبا وأميركا وفي ظل تراجع أعداد المسيحيين في الغرب تعتبر البوذية المنافس الحقيقي للإسلام في هذه المساحة من العالم وما يزيد الأمر تعقيدا وخشية خصوصا في صفوف المسلمين هو أن من يتحول إلى البوذية يفعل ذلك حبا لتعاليمها وإقتناعا أما زيادة عدد المسلمين فبمعظم الأحيان تحصل بسبب زيادة الولادات وضعف الدعاية المسيحية وخسارة الكنيسة أمام العلم.
ومن هنا تبرز فضيحة الصور والفيديوهات المفبركة عن مآسي الروهينغا والتي تبين أن معظمها لا يعود إلى المأساة ويمكن وضعها في سياق الدعاية الدينية للإسلام للقول أن هناك في العالم ديانة تشجع على الإرهاب وهي البوذية والأمر ليس مقتصرا على المسلمين وهكذا دعاية لها مفعول قوي في الغرب خصوصا أن الغرب ينظر إلى البوذية على أنها ديانة السلام والأمان والإعتدال .
ويريد القيمون على هذه الحملة إظهار مأساة الروهينغا وهذا أمر عادي وإنساني لكنهم يستغلون القضية أيضا لمآرب أخرى لخلق ظاهرة :” البوذيفوبيا ” بعد أن تكرست ” الإسلاموفوبيا ” في عقول ووعي الغربيين.

إقرأ أيضا : آلاف الاشخاص يفرون من اعمال العنف في غرب بورما

خدمة مجانية للقاعدة :

هذه الحملة الإعلامية كانت خدمة مجانية لتنظيم القاعدة بحيث أثبتت وجهة نظره القائمة على إستخدام الإرهاب لحماية الإسلام والمسلمين بحسبه من حيث يدري أو لا يدري هؤلاء القيمون على الدعاية وأكد من جهة أخرى أن هناك إرهاب آخر في العالم سيعطي شرعية لعملياته التي كانت مرفوضة في الدرجة الأولى بين أوساط المسلمين وهذا ما ظهر لأول مرة على ألسن بعض المسلمين الذين دعوا القاعدة وداعش لشن هجمات على البوذيين وقتلهم في بورما.
وفي 2012 أعلن أيمن الظواهري خليفة أسامة بن لادن وزعيم تنظيم القاعدة عن دخول حوالي ال 500 جهادي  إلى بورما وتوجه برسالة لاحقا قال فيها بأنه ” لم ننس مأساة الروهينغا “.
ومنذ أيام أيضا دعا قيادي في تنظيم القاعدة فرع اليمن إلى تنفيذ هجمات ضد البوذيين.
وأتت دعوة الزعيم الشيشاني رمضان قاديروف إلى الجهاد في بورما لتكمل صورة المشهد خصوصا أن قاديروف وهو طفل بوتين المدلل تحدى روسيا لأول مرة وإنتقد سياستها الخارجية وموقفها من أزمة بورما.

إقرأ أيضا : الأمم المتحدة ترجح مقتل مئات المسلمين بهجمات في بورما

بن لادن بورما :

وعلى الجانب البوذي في بورما بدأت تظهر حالات متطرفة تدعو إلى قتل المسلمين بل تقليدهم في أفعالهم.
آشين ويراثو أو  بن  لادن بورما كما يحلو له تسمية نفسه ، هو راهب بوذي بورمي  يشتهر بتعصبه ضد الإسلام.
أعلن في  العام 2013  عن ” حركة 969 ” التي تدعو البوذيين لمقاطعة المحلات التي يمتلكها المسلمون كما أعد قانونا يضع قيودا على النساء اللاتي  يسعين للزواج من رجال مسلمين.
وقد ظهر ويراثو على غلاف أحد أعداد مجلة التايم، تحت عنوان  ” وجه الإرهاب البوذي” ، إلا أن الرئيس البورمي ثايت ساين دافع عن ويراثو وقال أن ” تقرير مجلة تايم يخلق سوء فهم للبوذية”.
تم سجن ويراثو عام 2003 بسبب تحريضه على العنف وأطلق سراحه لاحقا عام 2012 وهو الآن يقود إحدى الحركات الإرهابية المتطرفة لطرد المسلمين.
والملفت في الأمر ببورما أن غلاة القوميين يشاركون الرهبان في حملاتهم ضد المسلمين وهو إنعكاس تاريخي للنظرة البوذية لفكرة الوطن والمواطنة والتي تعتبرها مقدسة بل نتاج لتعاليم بوذا وهذا ما ظهر في فترات النضال ضد الإستعمار البريطاني في بورما وبعض أجزاء آسيا لتأسيس الأوطان والدول القومية، فالهوية الدينية البوذية لا تنفصل عن فكرة الوطن والقومية ولذلك تتداخل هنا 3 عوامل لتشكل صورة المشهد ولو بشكل متطرف عنيف وهذه العوامل هي الديانة البوذية والعرق والأرض أي الوطن وهي أفكار بل مصطلحات تعتبرها البوذية مقدسة ولا تفاوض عليها وناضلت ضد بريطانيا لتحصيلها, وللبوذية مكانة خاصة في الدستور البورمي .
ولعل الكراهية الموجودة والتي بدأت تتنامى بين أنصار الديانتين والتي تعكس بوضوح بأحد أوجهها  التنافس على الساحة العالمية  تلخصها يافطة حملها أحد الرهبان وكتب عليها ” العالم ليس للمسلمين فقط “.
هذا العالم الذي يعاني من شتى أنواع الإرهاب يجد نفسه أمام لعبة المصالح والتي على أساسها تتحدد السياسات العامة للدول ولو إختار الصمت في بعض الأحيان.

 

إقرأ أيضا : مئات البوذيين يتظاهرون ضد المهاجرين في بورما

أصوات للتعايش السلمي:

وفي فوضى العنف الحاصل، لا زالت الأصوات الداعية إلى السلام بين أتباع الأديان حية عند الطرفين.
وقد إنتقد سابقا الزعيم  البوذي الدلاي لاما أعمال العنف ضد الروهينغا وقال :” إن السبب الأساسي للصراع في ميانمار سياسي وليس روحيا فقتل الناس باسم الدين شيء لا يمكن تصوره، وهو أمر محزن جدا في الوقت الحاضر حتى لو ارتكبه البوذيون في ميانمار”  وناشد لاما  الرهبان أن يتذكروا  ” وجه بوذا الذي كان حاميا للمسلمين.”
ويؤكد مولوي عبد الجبار أحد أعيان مسلمي بورما  أن  “غالبية البوذيين يقبلون العيش المشترك”.
وهذه الأصوات يمكن البناء عليها من أجل حوار خلاق بين أتباع الديانتين لحل الأزمة ووقف مأساة الروهينغا.
أما الصور المفبركة والفيديوهات المركبة فهي تؤجج العنف ولا تخدم أي قضية حتى لو كانت القضية عادلة فالحقيقة لا تبرر الكذب والتذكير بأحداث عنف تعرض لها المسلمين في بورما ومقدساتهم سيقابلها أيضا تذكير بما فعلته طالبان في أفغانستان عندما هدمت تماثيل بوذا، وهذا الأسلوب الإنتقائي بالتذكير كاف لتأجيج مشاعر الكراهية والعنف وإستمرار دوامة العنف والمجازر.
وبالمحصلة لا يمكن معالجة أزمة ومأساة الروهينغا بشعبوية مصطنعة تنطفىء نارها بعد أيام من قبل إفتراضيين ويستغلها إرهابيون ويدفع ثمنها أبناء الروهينغا وأيضا لا يمكن معالجة القضية إلا بالتعرف على خلفياتها وأسبابها لبناء الثقة المفقودة بين أطراف الصراع لا الحكم على القضية من خلال صورة أو فيديو أو تقرير إخباري فقط.