الرئيسية » قضايا وناس » “قضية رقم 23” كلنا مُهان

“قضية رقم 23” كلنا مُهان

من قال أن الحرب انتهت؟ هناك في بيروت، حيث المدينة التي تحتضن بين أبنيتها شظايا القصف والدمار. العنصرية والكره. التهجير والقتل. الشتائم والضرب. تراها تنتظر أي حادثة لتشرع أبوابها للحرب من جديد بعد 42 عاما على بدايتها، وأكثر من ربع قرن على اعلان توقفها….
من داخل حي فسوح في الأشرفية، ذات الغللبية المسيحية، ينطلق المخرج اللبناني زياد دويري ويقدم فيلمه “القضية رقم 23”. قضية تدخل الى ذاكرة كل لبناني وفلسطيني، محاولة تحديد من المذنب ومن الضحية. ففي قاعة المحكمة، تُنبش الحكاية لتصل الى أعماق المجتمع اللبناني، وتعيد احياء ذاكرة الحرب الممنوع الاقتراب منها. يضعنا دويري أمام مجتمعنا الهش، الذي ينتظر “إنفجاراً” كبيراً بسبب مزراب للمياه.

يبدأ النزاع  بين “طوني” اللبناني المسيحي (عادل كرم) والفلسطيني ياسر (كامل الباشا) على أثر مخالفة قانونية، تنتج عنها شتيمة لتصل الى عراك بالأيدي. وسرعان ما تنتقل الى دعوى قضائية، لتنتج عنها أزمة وطنية تفتح دفاتر الحرب المغلقة. تحت شعار “فورة غضب”، تنقسم الشوارع من جديد، وترتفع حدة الصدمات النفسية التي تؤدي الى ردود أفعال تهدف إلى تعريتنا. في هذا الفيلم لا يضع دويري اصبعه على جرح وحسب، بل يعيدنا الى فصول الحرب ويحيي فينا ماضياً أليماً حتى لو أهان طرفاً من الأطراف.

 

ينجح دويري والمؤلفة جويل توما، من خلال اعتماد عناصر الدراما وسيناريوهات التصعيد الهيكلي، في تحقيق دوافع النزاع بين المواطنين، والتي تسير تدريجياً إلى طريق النور. فلا يقدم الفيلم كل المعطيات دفعة واحدة، بل يتريث ليرينا خلفية كل شخصية والأسباب الدفينة التي تدفع للقيام بمثل هذه الأفعال، وكيفية تحويلها إلى قضية رأي عام بعد فشل المصالحة بين المتخاصمين.

 

لا يعكس الفيلم بأي حال من الأحوال رأي مؤلفيه، بل يكشف جميع الأوراق، ويضيف العناصر المباشرة أو غير المباشرة التي تسببت في تأجيج الصراع. فيلم ينقل الواقع في لبنان كما هو. فالانحياز لا مفر منه، تحت ذريعة “الاستقرار” والمصالح السياسية والاقتصادية. أما وسائل الإعلام، فتؤدي دوراً رئيسياً في تحريك القضية وحقن الشارع، إضافة إلى مناصري الطرفين الذين لا يمكن فصلهم عن القضية وتأثيرهما في المدعي والمدعى عليه. فقد تمكن الدويري من إظهار المناصرين في الفيلم وكأن في دواخلهم، اللبناني طوني أو الفلسطيني ياسر، كي يكشف عمق التأثير النفسي للإهانة التي تشعر بها الشخصيات، لنصبح أمام فيلم درامي من النواحي كافة.

 

عمل، يصل الى الجذور ولا يقدم “الإهانات” بطريقة سطحية. السيناريو المتكامل مع الإخراج، وضّحا لنا “خطر” الإهانة بالكلمة وعواقبها الحقيقية. وأظهر المسؤولية التي تقع على المواطن لتفادي هكذا لحظات. فما كان على دويري إلا جلب طرفي النزاع الى المحكمة، من أجل تحقيق العدالة التي يراها كل طرف لصالحه، حتى المحاميَين اللذين تسلما الملف لإظهار المذنب والضحية في القضية، لربما بيّنا أن المذنب هو المجتمع وكل شخص منا، بغض النظر عن قرارات المحكمة. هذا الفيلم ينتقد كل طرف، مدعماً نقده بدلائل وبراهين، بل أي تردد. لنخرج من القاعة مع رؤية شخصية لما حدث ويحدث يومياً، خصوصاً كأزمات، ومشاكل “فردية” في البلاد.

 

يضع الدويري بين أيدي الممثلين اللبنانيين، سيناريو محكماً، وإخراجاً يظهر القدرة التمثيلية لكل منهم. وعلى حد قوله: “عندن طاقة…”. بالفعل، نحن بحاجة الى مشاهدة ممثلين لبنانيين وفلسطينيين يقدمون أداء صريحاً ومقنعاً. فالممثل الفلسطيني كامل الباشا، حاز بجدارة جائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية. وكما عودنا دويري في أفلامه، للمرأة دور المتريث والمتفهم للأمور. المرأة هنا تتمثل في زوجتي طوني وياسر (ريتا حايك وكريستين شويري)، ومحامية ياسر (ديامان بو عبود). هن اللواتي يحاولن امتصاص غضب الذكور، ورؤية ما هو أبعد من الكلمات والشتائم في وقت الغضب.

 

معالجة فصول الحرب اللبنانية، ليست جديدة على دويري. فقد تعرفنا عليه  في فيلم “بيروت الغربية”، الذي ركز على اظهار الحرب وكأنها مغامرة شخصية لتتحول الى مأساة وطنية. لكن في “قضية 23” لم يرجعنا المخرج إلى أيام الحرب، بل بحث في أمور عديدة تكشف غياب المصالحة مع الذات، لتؤكد أن لا شيء تغير والأسباب ما زالت موجودة، وأن مجرد إشكال صغير أو حادث تافه بإستطاعته أن يرجعنا سنوات الى الوراء. فالمعاناة الشخصية والمآسي الجماعية ما زالت محفورة في الذاكرة وتشكل مرحلة حساسة للطرفين.

 

عمل دويري الأخير، يشبهنا، ويشبه مجتمعنا. سينما تحكي عن واقعنا. “القضية رقم 23” فيلم لبناني، للتواقين لرؤية ما يشعرون به على الشاشة الكبيرة.

شفيق طبارة
المدن