الرئيسية » منوعات » تكنولوجيا » تجند النجوم وتخترق المؤسسات.. تعرف إلى ديانة الساينتولوجي التي يعتنقها الملايين

تجند النجوم وتخترق المؤسسات.. تعرف إلى ديانة الساينتولوجي التي يعتنقها الملايين

ربما أشهر ما يعرفه عنها الكثير وأبسطه أنها ديانة ممثل هوليوود الشهير «توم كروز»، وأنها ديانة غير إبراهيمية (سماوية) حديثة ظهرت في أمريكا خلال الخمسينات، ولكن هذا ليس كل شيء، فهناك ما هو أكثر من ذلك بكثير عن ديانة «الساينتولوجي».

 

يعّرف موقع كنيسة «الساينتولوجي» الرسمي الإيمان في الساينتولوجي بأنه يتمحور حول الروح، وليس العقل والجسد، وُيبرز عدة مبادئ أساسية هي أن الإنسان «روح» أبدية، وأن خبرته وحياته تمتد إلى أكثر من حياة واحدة وجسد واحد –ما يُعرف بتناسخ الأرواح- وأن قدراته تمتد إلى أبعد مما يعتقد بكثير، وإن لم يُدركها.

ومن ثم تهدف الديانة للوصول بالفرد إلى حالة كاملة من الصفاء والنقاء يعود فيها إلى أصله «الروحاني» الأبدي، ويكون في تناغم وتواصل تام مع العالم الروحاني بصفته «كائن أعلى» أو Supreme being، ويكون الوصول إلى ذلك من خلال الممارسات الدينية والمعرفية الخاصة بالساينتولوجي، هذا المُلخص المُبسط للديانة جاء في تعريف مؤسسها، الكاتب المثير للجدل «ل. رون هوبارد».

رجل بمخيلة واسعة وزي عسكري

مؤسس ديانة الساينتولوجي هو «لافاييت رون هوبارد» كاتب أمريكي ولد عام 1911 في ولاية نبراسكا، ودرس الهندسة مدة عامين في جامعة «جورج واشنطن»، ولكسب عيشه بدأ في الثلاثينيات كتابة قصص الفانتازيا والخيال العلمي بشكل غزير في مجلات متخصصة في هذا النوع من الكتابات عُرفت أشهرها باسم «خيال علمي مذهل» أو Outstanding science fiction -كتب لها كاتب الخيال العلمي الشهير «إيزاك أزيموف» أيضًا- ثم التحق بالبحرية الأمريكية عام 1941 بعد إعلان الحرب العالمية الثانية عقب قصف «بيرل هاربور» الشهير.

كان الهدف الذي يصر هوبارد على قصفه ليس إلا حقلًا مغناطيسيًّا طبيعيًّا ومعروفًا للرصيف البحري، تم نقل هوبارد إثر ذلك إلى الخدمة غير الميدانية، وفي عام 1950 استقال من البحرية وبدأ في كتابة ونشر أحد أهم أعماله، الذي كان بمثابة الوحي الأكبر الذي بُنيت عليه لاحقًا ديانة الساينتولوجي بأكملها.

عام 1950 نشر «هوبارد» كتابًا أسماه «الديانتيكس» Dianetics، والذي تفسره الساينتولوجي اليوم بأنه اشتق من اللفظتين اليونانيتين: dia أي «من خلال»، و nous أي «العقل»، وظل تعريفه في قاموس كامبريدج أنه لفظ أصيل يُعرف بمجموعة أفكار خاصة بمؤلفها «هوبارد».

يتم ذلك من خلال جلسة استجواب واستحضار الذكريات السلبية بين المدقق والشخص أثناء توصيل هذا الأخير بجهاز ابتكره «هوبارد» يسمى إي-ميتر E-meter اختصارًا لمصطلح electrophsycometer يشبه في طبيعة عمله جهاز كشف الكذب، ويقيس من خلاله المدقق مشاعر وتفاعلات الشخص، ويقيّم من خلال قراءات الجهاز مدى تخلصه من «الإنجرامات» السلبية التي تشوش على صفاء روحه.

طُرح الكتاب وجذب انتباه الكثير من الناس في دوائر العلم، وتعاملوا معه وقتها على أنه كتاب تطوير ذاتي وليس علمًا مُعترفًا به، بل وحذر البعض منه مثل الطبيب النفسي «مارتن جامبرت» الذي قال عام  1951 لجريدة New Public:

«ليس من الغريب أن يشعر الشخص بأنه حصل على المساعدة والراحة إثر تلقيه الحلول السريعة والسهلة التي تقدمها «أشباه العلم pseudoscience»، وربما يثبت أن الثقة في مثل هذا الكتاب الخطر قد تكون قاتلة».

سارة نورثرب.. قطعة الأحجية المفقودة

نجح كتاب «هوبارد» بشكل كبير وتصدر قوائم الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة عدة أشهر؛ بل وانتشر في الكثير من الدول أيضًا، وبدأ «هوبارد» في المحاضرة عن كتابه بشكل مُنظم سرعان ما جذب الكثير من الناس في فترة وجيزة، وحقق من خلالها «هوبارد» مكاسب كبيرة ساهمت في صعود نجمه في المجتمع الأمريكي.

روت أنه كذب عليها بتزييف بطولات وميداليات حربية حصل عليها بصفته «بطل حرب»، وهو ما ثبت عدم صحته عندما نشر سجل هوبارد العسكري كاملًا فيما بعد، وقالت إنه بعد نجاح كتابه بدأ في التصرف بغرابة، والاعتقاد بأنه مبعوث إلهي، وراودته أفكار متطرفة نصحته «سارة» على إثرها بالعلاج النفسي، ولكنه عارض ذلك، ورد بأن اختطف ابنتهم “اليكسيس” وسافر بها إلى كوبا وتركها برفقة عائلة كوبية فقيرة احتجزتها في قفص حيوانات وأخبرها أنه قتلها بطريقة عنيفة، ثم عاد ليخبرها أنه لم يفعل ذلك.

من الديانتيكس إلى الساينتولوجي.. الصفو ليس مجانيًّا

أكثر ما يثير فضول الأشخاص لمعرفة المزيد عن الساينتولوجي هو أن محتواها ليس علنيًّا للممارس بالكامل، بحسب تعاليم الساينتولوجي هناك ما يسمي بـ«الجسر إلى الحرية الكُلية»، وهو الخطة الكاملة لمستويات المعرفة الساينتولوجية، وهو أشبه بجدول يحتوي على خطة دراسية، ويتألف من شقين هما: «التدريب»، و«التشغيل»، ويعتبر التشغيل هو الجزء الأهم، ولا يمكن للشخص أن يصل إلى مستوى إلا باجتياز ما يسبقه من مستويات عبر جلسات «التدقيق» غير المجانية.

بعبارات أوضح، معتنق الساينتولوجي يجب أن يدفع المال -ما يسميه الساينتولوجي رسوم لجلسات التدقيق بهدف دعم العقيدة- للوصول إلى المعرفة القصوى وهي مرحلة «الصفو»، وهي المرتبة الأولى بين 15 مستوى يرمز لها بالرمز OT XV، وهو اختصار لـOperating thetan 15، ومصطلح «Thetan» ويعني «كائن روحاني».

ولذلك قلة من معتنقي الساينتولوجي هم فقط من وصلوا إلى المستوى النهائي من المعرفة أو «الصفو»، حتى مع وجود الكثير من الميسورين والأثرياء فإن تكلفة ذلك تصل إلى مبالغ كبيرة جدًا بحسب المنشقين عن الديانة الذين كان لهم دور كبير فيما بعد في إفشاء تلك الأسرار، أهمهم على الإطلاق هو «مايك ريندير» والذي كان بمثابة الرجل الثاني في كنيسة الساينتولوجي نفسها بعد وفاة هوبارد، والمتحدث الرسمي باسمها منذ 1982 إلى 2007.

نهاية هوبارد لا تعني نهاية الحرب

في عام 1986، توفي هوبارد إثر سكتة دماغية مفاجئة عن عمر يناهز 74 عامًا، حينها كانت قد وصلت ديانة الساينتولوجي إلى قمة صراعاتها مع المجتمع الأمريكي، والمؤسسات الحكومية. ومن دون أية توصيات بالخلافة تقلد زمام الأمور رجل الساينتولوجي الأول بعد «هوبارد»، وهو رئيس كنيسة الساينتولوجي الحالي «ديفيد ميسكافدج» الذي قضى عمره كله تقريبًا في خدمة هوبارد والساينتولوجي، وبدأ في الاستعداد لاستكمال الحرب التي بدأها هوبارد بكل قوة، وبدأ في تجنيد قواه لخوض الصراع ضد مؤسسة الضرائب الأمريكية لحسم الجدل، وتوصيف الساينتولوجي بأنها «ديانة» وليست مؤسسة ربحية؛ بينما على الجانب الآخر اهتم «ميسكافدج» اهتمامًا غير عادي بضم الرموز الشهيرة إلى ديانة الساينتولوجي بهدف تكوين صورة إيجابية وجاذبة لها.

ديفيد ميسكافدج رئيس كنيسة الساينتولوجي الحالي

الانتصار على الدولة ومؤسساتها

في المحفل الرسمي السنوي لكنيسة الساينتولوجي عام 1993، وقف «ديفيد ميسكافدج» أمام آلاف الحاضرين من أعضاء الساينتولوجي، وقال كلمته الشهيرة: «لقد ربحنا الحرب» وأدى تحية عسكرية لصورة المؤسس «ل. رون هوبارد»، وقال: «سيدي، لقد تَم».

وكانت تلك واحدة من أهم اللحظات في تاريخ ديانة الساينتولوجي القصير نسبيًّا، والتي قامت بعدها بالعديد من الخطوات التي حفزها هذا النصر، كان من بينها إتمام إعلان حقوق الماكية الفكرية لجميع محتوى ديانة الساينتولوجي وجميع أعمال هوبارد الكتابية، والتي لا يجوز تناولها في أي مكان، أو عبر أي منصة إعلامية تحت أي ظرف دون موافقة الكنيسة، ومن ثم صارت هي المسئول الرسمي عن تعليم محتوى الديانة والتبشير، وكذلك حقها في عدم الإفصاح عن أي دخل مادي أو رسوم أو تبرعات ترد إلى الكنيسة من قبل الأعضاء، أو التابعين.

الحرب من جديد.. الانشقاق وكشف الأسرار

عبر السنوات التي تلت استقلالها بوصفها مؤسسة دينية، قامت كنيسة الساينتولوجي بالهجوم بقوة على كل من يحاول اقتحام خزانة أسرارها، أو محاولة تناول اسم الساينتولوجي بشكل نقدي سواء كان محايدًا، أو مهاجمًا، لكن الاعترافات الغريبة والمثيرة للجدل قد انهالت عندما انشق عن الكنيسة واحد من أكبر رجالها «مارتي راثبن» الذي كان «مدققًا» مهمًا، ثم صار كبير التنفيذيين في الكنيسة حتى تركها عام 2004، وأصدر مدونته الشهيرة لانتقاد الديانة والتي تلقى على إثر ما نشره فيها التهديد والمضايقات والتحرش والمراقبة طبقًا لما قاله لاحقًا في وثائقي Going clear، واتهم الكنيسة بابتزاز المنشقين باستغلال أكثر اعترافاتهم حساسية -المُسجلة دون علمهم أو التي يقال لبعضهم إنها بغرض التدريب- أثناء «التدقيق».

مايك ريندر المتحدث الرسمي السابق والمنشق عن الساينتولوجي

عواقب الانشقاق.. المقاطعة والعزلة والتوبيخ

بحسب اعترافات أفراد الساينتولوجي السابقين في «الساينتولوجي و ما بعد الحرب» ، ومن بينهم «مايك ريندر وإيمي سكوبي» من خلال الوثائقي «الساينتولوجي وما بعد الحرب» فإن أحد أقوى أدوات كنيسة الساينتولوجي لضمان عدم الخروج عليها هو مبدأ يعرف بـ«قطع الاتصال» Disconnection، ويعلن فيها أن المنشق هو شخص «قمعي» Suppressive person -تعادل مفهوم «الكافر» في الديانات أخرى- ثم منع الاتصالات منعًا باتًا بين المنشق وكل فرد من أفراد أسرته وعائلته الساينتولوجيين لدرجة تصل لإرغام أفراد الأسرة وتهديدهم بعواقب الإقصاء من الديانة إن لم يذعنوا للقطيعة.

الممثلة ليا ريميني المنشقة عن كنيسة الساينتولوجي

السر الأكبر.. الإله «زينو»

 يروي «بول هاجيس»، المخرج والمؤلف الفائز بالأوسكار عام 2004 وتارك الساينتولوجي، أحد أسرار الساينتولوجي التي لا يعرفها كل معتنقي الديانة؛ بل من يصل إلى المستويات العليا فقط من المعرفة ويحصل عليه منسوخ بخط «هوبارد» شخصيًّا، وهو قصة بدء الكون، وهي باختصار تروي أن هناك إلهًا مجرّيًا Galactic overlord يدعى «زينو» كان يحكم الكون منذ ملايين السنين وأن هناك كانت كائنات تعيش في عالم مشابه إلى حد كبير لعالمنا الحالي.

لكن «زينو» واجهته مشاكل تتمثل في تعدد شرور الكائنات التي كان يحكمها، فجمع منهم من استطاع وقام بتجميدهم اصطناعيًّا، وأرسلهم إلى كوكب الأرض بمثابة منفى، ثم أمر مركباته بإلقائهم في فوهات البراكين التي كانت على الأرض ليتحولون إلى رماد وتتناثر أشلاؤهم على تراب الكوكب.

ثم بمرور الزمن اختلط رمادهم بأجساد الإنسان الحالي. واختلطوا بأجسام البشر حتى اليوم وهم السر في بقائنا كائنات ضعيفة ومشوشة، وأن «تدقيق» الأفكار في الساينتولوجي هو ما يحرر ذواتنا «الأصلية»، ونصير كائنات روحانية Thetans، وهو ما يسمى «الصفو Going clear»، أكدت أيضًا الرواية ذاتها «هانا وايتفيلد» وهي أحد الأعضاء التنفيذيين المنشقين عن منظمة البحر التابعة لكنيسة الساينتولوجي في اعترافاتها في الوثائقي «الصفو: الساينتولوجي و سجن المعتقد».

لماذا مشاهير هوليوود تحديدًا؟

الممثلة «ليا ريميني» ظلت داخل عقيدة الساينتولوجي مدة 30 عامًا، ثم تركت الديانة عام 2013 إثر عدة خلافات واتهامات بينها وبين قادة الكنيسة، بعدها صرحت أنها تركت الساينتولوجي لأسباب تتعلق بـ«فساد السلطة» داخل الكنيسة، وبعدها نشرت كتاب «صانعة المشاكل»، أوردت فيه الكثير من الأسرار غير المعروفة للناس خارج الساينتولوجي، وبعدها أنتجت وشاركت في تقديم الوثائقي، والذي ذكرت فيه أن السبب الرئيسي لاهتمام «الساينتولوجي» بنجوم هوليوود هو التسويق والدعاية لها.

الممثل توم كروز أشهر معتنق للساينتولوجي في العالم

تقول «ريميني»: «الساينتولوجي هو عمل، وأي عمل يفكر في الدعاية ماذا يريد؟ نعم يريد نجم كبير يروج له»، وأكدت أن كنيسة الساينتولوجي «تهتم اهتمامًا كبيرًا يفوق الوصف بنجوم هوليوود وخاصة توم كروز»

فالمشاهير يحظون بمعاملة «ملكية» في ظل الساينتولوجي مقابل الترويج لها وإعطاء انطباع طيب عنها في وسائل الإعلام للمقربين، تلك بمثابة أقوى دعاية للديانة، وتقول «ليا ريميني»: «كانت تخصص لنا غرفنا الخاصة، في أجزاء متفرقة عن المباني الرئيسية، وأي شكوى لدينا من العالم الخارجي كانت تُقابل بموافقة فورية، كانت تتم خدمتنا بشكل مختلف»، وصرحت أنها أنفقت ملايين الدولارات على الساينتولوجي أثناء تبعيتها للكنيسة و طالبت ريميني برد نصف مليون دولارمنهم لها بعدما تلقت خطابات هجوم حاد ضدها من الكنيسة.

رغم كل الجدل الدائر حول ديانة الساينتولوجي إلا أنها اليوم لا زالت واحدة من الديانات المعروفة في أمريكا والعالم، وصار لهوبارد شارع باسمه في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، ومؤسسة دينية غير ربحية تعمل من خلال ثماني كنائس كبرى في ثماني ولايات أمريكية، وفي كل من: إنجلترا، وإسبانيا، وألمانيا، وبلجيكا والمكسيك، وجنوب إفريقيا.

وفي عام 2012، نشر موقع Business Insider مقالا يتضمن أرقامًا خاصة بالساينتولوجي أورد فيها أن عدد أعضاء الساينتولوجي يقدر بحوالي 8- 12 مليون شخص في العالم، ويصل متوسط رسوم جلسة التدقيق الواحدة فيها إلى 500 دولار، وهناك اليوم حوالي 10 آلاف مركز استشاري وكنيسة تابعة للساينتولوجي، ويصل قيمة رأس مال كنيسة الساينتولوجي إلى 500 مليون دولار، بين تبرعات خاصة، وأنشطة تابعة للكنيسة.