الرئيسية » رصد » مرسيل غانم والمنافق الصغير

مرسيل غانم والمنافق الصغير

كتب غسان سعود : يمكن المواطن أن يتساهل أحياناً مع السارقين؛ يمكنه أن يجد تبريراً لمن يفصلون القوانين على قياسهم، يمكنه غالباً غض النظر عن تقصيرهم المهين في أدائهم لواجباتهم، يمكنه تقبل انقلاباتهم على أنفسهم وتحولاتهم وقولهم “عمي” لكل من يأخذ أمهم لكن ما يستصعب المواطن هضمه هو النفاق؛ أن يتنافقوا عليه، أن يستجحشوه ويطلوا عليه بثياب غير ثيابهم ومواقف لا علاقة لهم بمواقفهم الحقيقية. 

النفاق، النفاق بأبهى وأشرق وأحدث صوره اجتمع أمس قبالة قصر العدل. كيف جمع مرسيل غانم هؤلاء ولماذا، لا أحد يعلم. كان يفترض بكلام الناس أن يسعى ليكون الناس حائط الدفاع الأول والأخير عنه، لكنه اختار مع الأسف الشديد الطريق الأسهل: اختار الوقوف خلف بطرس حرب وسامي الجميل والبيك الإقطاعي ورئيس الحركة التي يمكن تلفزيون الجديد أن يخبركم عن باعها الطويل والعريض في احترام الحريات، وأن تنسوا فلا تنسوا البيك الإقطاعي الآخر الذي إذا انتقدت زحمة السير في إقطاعيته “يفلت” من يشتمون أموات المنتقد ونسبه وأهله وكل سلالته في لغة سوقية ترهيبية لا تعرف معنى الخجل.

اختار معد ومقدم برنامج كلام الناس أن يتكئ على من رجمهم الناس في صناديق الاقتراع، بدل الاتكال على الناس.
إلا أن بري وجنبلاط وفرنجية ومعظم الآخرين لديهم ضائقتهم السياسية التي تتيح تفهم اندفاعتهم لتصيد أية فرصة من شأنها التذكير بوجودهم. الأكثر استفزازاً في مشهدية العدلية كان المنافق الصغير؛ ذلك الذي بلغت وقاحته تجاه حرية الرأي والتعبير حد القفز فوق كل الانفعالات الديكتاتورية للطلب من القضاء قبل بضعة سنوات أن يمنعوا فلاناً وعلتاناً من الكتابة عنه أو ذكر اسمه في كتاباتهم، فما كان من المدعي العام سوى سؤال محاميه إن كان موكله محام حقاً وإن كان يعرف فعلاً في أي بلد نحن.

كان يمكن المنافق أن يدعي بجرم القدح والذم على من يكتبون عنه فيربح الدعوى إن كان محقاً، لكنه قرر أن الكتابة بغض النظر عن صوابيتها أو عدمه تضر بسعادته فقرر المطالبة بأن لا يؤتى على ذكره. “تكتب على ذوقي أو لا تكتب”.

هذا المنافق مع حرية الرأي والتعبير.
هذا المنافق “خرب” بيت صحافي قبل أقل من 48 ساعة من نزوله إلى “العدلية” لمجرد أنه كتب رأياً لا يعجبه، فطلب من مؤسسته الإعلامية طرده واستجابت.

المنافق الصغير يعتقد أن المنافقة هنا وهناك، تارة في النفايات وطوراً في الموازنة وغيره وغيره، يمكن أن تنفعه. كأنه لا يعلم أن كل من يشاهده يتنفس يقول في نفسه: أيها المنافق الصغير ألم تشبعوا نفاقاً بعد. أيها المنافق الصغير أسقط دعاويك عن الصحافيين وترهيب شتامينك اليوميين لهم قبل أن تُنافق خلف الميكروفونات؛ أنت مع حرية الرأي أنت وقطيعك يشتم ويلعن ويخون ويهدد ويرهب كل من يؤتى على ذكرك بما يتناسب مع نظرتهم الإلهية لك.

كان يفترض بمرسيل غانم في البداية أن يشكر شيخ تنورين التحتا على حماسته للدفاع عنه ويعلمه أن للمؤسسة اللبنانية للإرسال مكتب محاماة خاص، لإبقائها معركة حريات بدل وضعها على رف الخصومات السياسية السخيفة. كان يمكنه أن يسعى مع المؤسسة اللبنانية للإرسال لإطلاق معركة جدية ضد استدعائنا يومياً وترهيبنا وتحقيرنا وإهانتنا وأيضاً إفلاسنا. هو استدعي يوماً، نحن نستدعى كل يوم، وهو أدخل فور وصوله فيما نحن “ننقبر” على أبواب النيابات أربع وخمس وست ساعات. كان يفترض بغانم أن يقول لحرب وبري وجنبلاط والجميل وجعجع أسقطوا دعاويكم هنا وهناك قبل أن تلاقونني أمام العدلية. أخرجوا الخشبة من عيونكم قبل الحديث عن القشة في عيون غيركم. كان يفترض بمرسيل غانم أن يظهر بعضاً من عفويته وصراحته وجرأته فيبتسم ابتسامته الشهيرة ويقول لهؤلاء: إذهبوا يا منافقين، جايين تتاجروا فيني.

أنا شخصياً ولا شك أن كثراً أيضاً كان يعنيني الاستفادة من هذه اللحظة لتكريس حرية الرأي والتعبير من جهة وإيقاف استسهال الاستدعاءات والادعاءات و”مرمطة” الصحافيين على أبواب المحاكم، لكن الموقف التضامنيّ المبدئي شيء والمشاركة في حفلة النفاق شيء آخر. ما حصل أمس يذكر بفيلم فرنسي عن وكالات توظيف عالمية كان تغرر بعارضات الأزياء اللواتي يتراجع الطلب عليهن بعد تجاوزهن الثلاثين فينتقلن فور بلوغهن الثلاثين من عرض الأزياء إلى الدعارة باعتبارهن لا يتقنن اية مهنة؛ حشد العدلية أحيلوا إلى التقاعد السياسي فيريدون أن يصبحوا أبطال حرية رأي وتعبير. محرم حرب سابقاً داعية حرية رأي وتعبير الآن. نفاق نفاق نفاق.