الرئيسية » رصد » اللبنانيون والسوريون يتنافسون على اكسبرس طرق البقاع

اللبنانيون والسوريون يتنافسون على اكسبرس طرق البقاع

لوسي بارسخيان-المدن

عندما بدأ بلال الزهري بيع القهوة من داخل فان جهزه بآلة اكسبرس، على طريق عام بعلبك- شتورا قبل 11 سنة، لم يكن أحد غيره قد تعرف إلى هذه المصلحة بعد. اشترى الماكينة الأكثر رواجاً في بلده سوريا بثلاثة آلاف دولار، ليسترد رأسماله في أقل من شهرين، كما يقول. ومع طول استخدامها بدأ يعرف تفاصيل تركيبتها، واكتسب خبرة في اصلاح أعطالها، ليدفعه ذلك أخيراً إلى توسيع مجالات استرزاقه من خلال تقديم خدمة الصيانة لمن يحتاج إليها أيضاً.

أما اليوم فبات الاكسبرس “شغلة اللي من لا شغل له”، كما يقول بلال، وبات تكاثرها ظاهرة لافتة بقاعاً، على كل مفرق، وعند كل تجمع وفي كل زاوية. إذ يكفي أن يحصل “لبناني” على رخصة من البلدية، أو صاحب أي قطعة أرض “استراتيجية”، حتى ينشئ قهوته، التي إذا لم يكن يتوفر الفان ليأويها، آوتها الشوادر وألواح الخشب. قبل أن تظهر أيضاً ملامح مأسسة المهنة، من خلال المبالغة في تقديم الخدمة بقالب أكثر جذباً للزبائن.

فعند تقاطع طريق قب الياس- المديرج، نزل أخيراً كوب أحمر ضخم كعلامة فارقة وسط أكواخ تقديم القهوة، التي ازدهرت مع تحول المكان إلى نقطة تجمع للفانات المتجهة إلى بيروت. يشرح الشاب القامشلي، وهو موظف، الخدمات الإضافية التي سيقدمها من داخل الكوب، وأنواع العصائر التي ستتوفر ما إن تكتمل تجهيزات المكان الذي يحمل اسم way cup، لينضم إلى فرعه الأول الذي أنشأه محمد الجراح في المرج.

لكن، رغم عوامل الجذب، يبقى الطلب على الاكسبرس، ملتصقاً بمجتمعات أقل تطلباً. إذ لن يحتاج منها عابرو الطريق من عسكريين وموظفين وأجراء ومياوميين إلى أكثر من فنجان قهوة وعلبة دخان أو عبوة مياه، كما يشرح أحد العاملين في كوخ بدأ تقديم ساندويشات الهوتدوغ، لكنه سرعان ما تحول إلى القهوة.

لذلك، يكفي أن يتميز فنجان القهوة أو كابوتشينو بنكهة جيدة، ليتحول هؤلاء زبائن دائمين لأحدها. أما ما يميز هذه القهوة، وفق أحد العاملين في تقديمها، فمرتبط بجودة البن الذي يكون أفضل إذا طحن “طازجاً”، وتختلف نكهته بين “كبسة أو كبستين على الاكسبرس”.

تبرز الجهود الاضافية للوصول إلى عدد الزبائن المطلوب يومياً وسط كم المضاربة الحاصلة في المهنة، خصوصاً في النقاط التي يتنازع عليها أكثر من اكسبرس. وهنا، تلاحظ حركة أحد الفتيان (سوري) في تلقف كل فان أو سيارة، لتلبية طلبات ركابه بالسرعة القصوى، قبل أن يبوحوا بها لاكسبرس مجاور. وبالنتيجة، كما يقول العاملون في المهنة، “الرزقة على الله”.

في المقابل، يتهرب مالكو الاكسبرس من طغيان الوجه السوري على الخدمة، من خلال جهودهم الواضحة في ابراز هويتها اللبنانية، سواء برفع العلم اللبناني، أو في تسميتها. ورغم أن كل عامل يظهر “ملكاً” على مهنته التي يتقنها جيداً، فهو لا يملك من غلة النهار “الوفيرة” سوى أجره الشهري الذي لا يتعدى 400 ألف ليرة، وتجده مقتنعاً حتى بضجيج السيارات اللامتناهي الذي لا يمكن لشاب لبناني تحمله.

يعترف محمد أبو حمدان بذلك، وهو أحد مالكي الاكسبرس في منطقة ابلح، شارحاً أن الموضوع كله بدأ مزحة مع رفاق، وصار الأمر لاحقاً “مهنة” تطلبت أجيرين لتوفير الخدمة ليلاً ونهاراً، بالإضافة إلى مصاريف الكهرباء وغيرها التي تجعل مدخول “المالك” محدوداً جداً، كما يقول.

إلا أن ذلك ليس رأي شاب من آل الشحيمي، أنشأ منذ نحو عام اكسبرس “الأصيل” في حديقة سعدنايل، سعياً لتعويض خسارته في مهنة سابقة تعرضت لمضاربات اليد العاملة الأرخص. وهو يقول إن غلته تصل أحياناً إلى مئة ألف ليرة يومياً، في خدمة نفقاتها محدودة جداً، جازماً أن الغلة أكبر في الساحات الكبيرة وعندما تتوفر أماكن ركن السيارات كشتورا وغيرها، التي تحتاج إلى “وساطة” لترخيص انشاء اكسبرس فيها.

في الحديقة نفسها أنشئ اكسبرس آخر أخيراً. وعلى بعد امتار ظهر اكسبرس قرب محطة لبيع الوقود. ولا تزال أخرى تفرخ يومياً في مسافات متقاربة على امتداد الطرقات من المصنع، وبعلبك إلى ضهر البيدر، عاكسة ظاهرة ربما سبقت من خلالها الخدمة المقدمة الحاجة إليها.