الرئيسية » رصد » إبراهيم كنعان

إبراهيم كنعان

كتب غسان سعود : كان ذلك قبيل الانتخابات النيابية عام 2005 بعيد احتفال كبير بإعلان اللائحة العونية خلف قصر المؤتمرات في ضبية؛ كان الجميع في حالة من السكر الانتخابيّ باستثنائه هو: اتصالات واجتماعات وتدقيق بتفاصيل التفاصيل.

وسرعان ما أثبتت الصناديق تمييز الناخبين بين مرشح وآخر مهما بلغت الموجة الشعبية. لكن المسيرة لم تنته هنا كما حصل مع غالبية الآخرين إنما بدأت في ذلك الصيف من عام 2005.

في اللقاء الصحافي الأول كان النائب إبراهيم كنعان يتحدث عن أشياء غريبة، من كوكب آخر: عن أمانة سر لتكتل التغيير والإصلاح، عن فريق عمل من الطلاب الجامعيين لكل نائب، عن وجوب عودة النائب إلى الحزب والعلاقة بين الحزب والنائب، الإصلاح الاقتصادي، التشريع، أهمية اللجان النيابية.

ورويداً رويداً راح يترجم العناوين: تارة بدبلوماسية وطوراً بحدية، مرة بسيفه ومرة بسيف العماد ميشال عون، بدأ حفر ذلك الجبل. جبل ميشال المر المكون من صخور كتائبية؛ جبل بركاني لا يكاد الإزميل يلمسه حتى يُخرِج حمم اللافا أو الرماد البركاني ويبعث الأبخرة والغازات السامة التي تخنق سواء من يحمل الإزميل أو من يحيط به.

ومرة تلو المرة، آلاف المرات كان يمكن رؤيته هناك يحيط نفسه بالشباب العونيين الشجعان ويقاتلون التنين، تنين تلو التنين، في هذا الجبل ألف تنين وتنين، وألف فخ وفخ، وألف جزرة وجزرة، وألف عصا وعصا.

إمبراطوريتان في إمبراطورية واحدة، قلعتان محصنتان بالحراس؛ بدوائر المياه والبلديات والمخافر واتحاد البلديات والدوائر العقارية والنيابات العامة وحرس الشواطئ والأجهزة الأمنية والقضائية والإعلام والفنانين والمقاولين والمتعهدين والراقصات من أهل البيت وغيره وغيره وغيره؛ معركة غير كل المعارك، وهم يحملون الإبرة – لا شيء غير الإبرة – ويحفرون الجبل. 365 معركة بـ 365 يوماً، 13 عاماً.

التحرر أصعب من التحرير كان يقول العماد ميشال عون، وهو كان يعلم جيداً ما هي أسس النظام الذي ارتكز على إدخال المليشيات في إدارات الدولة. ولذلك تتعب أحياناً، تيأس، تحاول سلوك طريقاً مختصراً، تسأل نفسك ألف مرة ومرة عمّا تفعله ولماذا، فيصحبك إلى تلة كاشفة ليريك الجبل وقد تفتت صخوره؛ القلاع وقد استسلم حراسها.

كانت الطريق صعبة وشاقة لكن كنعان وفرسانه ربحوا ألف معركة ومعركة. ولقد تغيرت الأمور؛ تغيرت كثيراً: لم يعد المتن كما كان في ذلك الصيف؛ لقد سقط الخوف، سقطت الديكتاتوريات وتبعثرت مافياتهم.

تتطلب الأمر مواجهات مرة وتسويات مرة واستيعاب مرات، لكن النتيجة رائعة لمن كان شاهداً على هذا كله. ولدى وقوف كنعان والفرسان اليوم حاملين الرايات البرتقالية في الساحة نفسها التي أقيم بها الاحتفال الأول قبل 13 عام لا يمكن سوى الشعور بالاعتزاز. الدراسات الجدية تقول إن نصف المقترعين في المتن عونيين، و60 بالمئة من هؤلاء يعتبرون كنعان مرشحهم التفضيليّ، لكن ما ستظهره الصناديق ستكون أكثر من هذا بكثير.

نعم، ما عاشه الناخب المتنيّ منذ نصف قرن يختلف عما عاشه أي ناخب آخر، وهو حين سيذهب للاقتراع لن يغره صراخ من هنا واستجداء من هناك، لن يغرر به كذاب من هنا وكذاب من هناك؛ لقد شاهدهم الناخب المتنيّ يحفرون الجبل، شاهدهم يسيرون في بحر من الألغام.

هناك الكثير الكثير لفعله طبعاً لكن العودة إلى الوراء مستحيلة؛ لقد أخرج المتن من زمن وأدخل في زمن آخر. بات للإصلاح والتغيير حجر زاوية كبير يسمح بتشييد بناء جديد.