الرئيسية » قضايا وناس » رهاب رهاب المثليّة

رهاب رهاب المثليّة

كتبت ريما ابراهيم : “مثليّتها” ربّطتني وأنستني أني في هذا الموقف الضحيّة، وأنها المعتدية.
حدث أن تلقّيت، يوماً، طلب صداقة عبر “فايسبوك”، من امرأة لا أعرف اسمها ولا شكلها، وليس بيننا أيّ صديق أو قاسم مشترك يشجّعني على قبول طلبها. لكن، حيث أنها أرفقت طلبها برسالة تحمل تحيّة، فكّرت أنه لا ضير من ردّ التحيّة وسؤالها عمن عساها تكون.
رددت التحيّة فسارعت إلى سؤالي عن أحوالي، ما أشعرني بأن الموضوع متّجه إلى الدردشة وأن سؤالها التالي قد يكون عن الطقس، فقررت اختصار المسافة وسألتها إن كنا نعرف بعضنا البعض، فأجابت بالنفي وعرّفت عن نفسها ومهنتها ومنطقتها، ثم سألتني عن منطقتي.

أحسست بالضيق. إذ أن السؤال عن المنطقة، في عُرفي، هو سؤال عن المذهب، لذا قرّرت القفز فوق المقدمات والدخول مباشرة في صلب الموضوع فشرحت لها، معتذرةً، إني لم أقبل طلب الصداقة لأني لم أجد في صفحتها ما يساعدني على تخمين سبب اهتمامها بي، وسألتها إن كان بإمكاني معرفة ما تريده مني. فأجابت: “أكيد… أنا بحب الصبايا” وتابعت تسأل إن كنت أرغب في رؤية شيء ما، لم أفهم ما عساه يكون، لأنها استعملت صيغة “دلع” غير مألوفة بالنسبة إلي. عند “صبايا”، وقبل أن أستوعب الجملة التي تلتها، أجبت “هه”.. فما كان منها إلا أن سألتني لم ضحكت؟

فجأة تنبهت الى أن ثمّة ما فاتني فأعدت قراءة الحوار، وعندها اكتشفت أن ما تعرضه عليّ هذه المرأة رؤيته ليس سوى أعضائها الحميمة. وجدت نفسي في موقف مربك ومزعج. لكن مصدر إنزعاجي لم يكن فعل التحرش فحسب، بل كان أمراً آخر استغرقني فهمه وقتاً طويلاً.

خجلت لأنني ضحكت، وخفت أن أكون قد آذيتها، فتغيرت لهجتي وتبخّر ضيقي وشرحت لها إني لا أسخر، وإنما ظننتها أخطأت في اختيار العبارة وهممت بتنبيهها الى الالتباس الذي قد تسببه جملتها، وذلك قبل أن أدرك إن لا التباس، وإنما هي عنت تماماً ما قالته. وجدتني أتراجع عن خطتي، وهي الانسحاب سريعاً من المحادثة، وأخوض معها الحوار التالي:

“حِبّي الصبايا… ما عندي مشكلة… أنت حرة… لكن بعتذر أنا مش مهتمة”
“ما بتحبي الصبايا؟”
“مش متل ما انت بتحبيهن”
“ما بتحبي تجربي؟”
“لا”
“ولا بدك تشوفي كمان؟”
“انتبهي بعد هيك بيصير هيدا تحرش… سألتيني وجاوبتك… مش من حقك تفرضي نفسك عليي… تتعرفي وتعرضي شي… تتحرشي وتفرضي شي تاني… سلام”.

يومها انتهى الحديث لتعود بعد أيام وتلقي التحية ثم تكررها في اليومين التاليين. لم أجبها ولم أحرك ساكناً، إلى أن أرسلت تسألني مرّة جديدة إن كنت أرغب في رؤية أعضائها الحميمة، هذه المرّة بكل وضوح، وبلا تورية أو دلع. عندها فقط حظرتها (بلوك) واستشطت غيظاً وبدأت أحلل ما جرى معي، وأعيد النظر في ما كنت قد اعتبرته نجاحاً في إدارة الموقف المحرج.

وفكرت بأن هذه المرأة حظيت بمعاملة خاصة من قبلي. فلو كانت رجلاً “غيريّاً” لزجرته ووبخته على الفور، ولما اخترت كلماتي بعناية ولما حرصت على أن أكون “بوليتكلي كوريكت” معه. كنت أطلقت لغضبي العنان وأمطرته بالشتائم، واعتبرته يستحق ذلك، عقاباً على فعلته. كنت “بلّكته” بلا تردّدٍ وسامحت نفسي على “إعدامه” افتراضيّاً.

لكن “مثليتها” ربّطتني وأنستني أني في هذا الموقف، الضحيّة، وأنها المعتدية، وكأنما هناك “قرينة ضحيّة” شبيهة بقرينة البراءة قائمة إلى جانبها، أعفتها من المساءلة أو فرضت منحَها أسباباً تخفيفيّة. “قرينة الضحية” تلك لم تعفها من غضبي فقط، وإنما قلبت الأدوار، فجعلتني في موقع المتّهمة، أحاول أن أشرح وأبرّر لها لماذا أرفضها.

لا شكّ أن محركي كان شعوراً بالذنب لا أعرف من أين أتى. فأنا لم أكن، في حياتي كلها، إلا صديقة ومساندة وداعمة لحقوق المثليين وحرياتهم. كنت، ولا أزال، أستنكر كل الممارسات المعيبة في حقهم، وأطالب بتعديل القوانين المجحفة. وقد هللت عند صدور عدد خجول من الأحكام القضائية التي فسرت المادة المسلطة على رقابهم بشكل مغاير لما جرى عليه الاجتهاد، ما أحيا الأمل في إمكانية التغيير.

على الرغم من ذلك لم أسلَم من الشعور بالذنب تجاه هذه المرأة المتحرشة الوقحة الوضيعة المبتذلة. وفقط لأنها مثليّة، حظيت مني بمعاملة خاصة لم تستأهلها، ولا سبب وجيهاً أو منطقياً يبررها.

لقد ميّزت تجاه هذه المرأة إيجاباً، فقط لأنها مثليّة!

إذا كان أحد تعريفات الرهاب هو التمييز تجاه المثليين، فمن قال إن هذا التمييز يكون فقط سلبيّاً؟ ألا يشكل التمييز الإيجابي رهاباً أيضاً؟

أليس رهاباً أن تشعرنا مظلوميتهم التاريخية بالذنب، فنستمر في معاملتهم كضحايا؟ وهم ليسوا كذلك فقط. فإذا كانت تجمعهم قضية حقوق وحريات، إلا أنها لا يمكن أن تختزلهم وتلغي فرادة كلّ منهم، والفرادة تعني أن كلاً منهم يمثّل نفسه ويُسأل عن فعله.
أليس رهاباً أن يرهبنا اتهامنا برهاب المثليّة، فلا نتجرأ على إدانة ومحاسبة المخطئين منهم؟
إذا كنا نرفض أن تظل المثليّة جرماً، وتهمةً يلاحَقون بسببها، فيجب أن نرفض أيضاً أن تكون عذراً مُحلاً أو حتى تخفيفيّاً.
أليس رهاباً أن أتردد في القول إن حالي في هذا الموقف ذكّرني بحال الأوروبيين الذين لا يتجرأون على إدانة أيّ تصرفٍ يأتيه “يهوديٌّ” مخافة اتهامهم بمعاداة السامية؟
أليس رهاباً أن أفكر، وأنا أخط الأسطر الأخيرة من هذا المقال، ألا أرسله للنشر؟

بلى إنه رهاب.. رهاب رهاب المثليّة.. وأنا أكتب عنه بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثليّة.