الرئيسية » رصد » وجه لبنان المشرّف ليس بالصواريخ وثقافة الموت!!

وجه لبنان المشرّف ليس بالصواريخ وثقافة الموت!!

كتب كاظم عكر : كيف تم الربط بين خبر فني وثقافي يهم لبنان واللبنانيين ويعتبر انجازًا في الحياة الفنية اللبنانية وبين صور الشهداء وذكرى القصير؟
 

انشغلت الأوساط الثقافية والفنية والإعلامية خلال الأيام القليلة الماضية بفوز المخرجة اللبنانية نادين لبكي بجائزة مهرجان كان السينمائي، وقد عرض الفيلم الدرامي الذي يعالج قضية إساءة معاملة الأطفال لأول مرة في المهرجان، ونال استحساناً بالغاً من الجمهور عقب عرضه الأول على الشاشة، مما أسهم بالحصول على جائزة لجنة التحكيم وهي أرفع الجوائز الممنوحة في المهرجان السينمائي الفرنسي الشهير. 

“كفر ناحوم” إسم الفيلم الذي تدور احداثه في إحدى مناطق العالم العربي التي تعصف بها أزمات ومشاكل سياسية واجتماعية طاحنة، ويسلط الضوء على حياة طفل يعيش بإحدى قرى المنطقة، ويعاني من المشاكل ذاتها التي يعاني منها الجميع في المنطقة ومن نمط الحياة الذي فرضته هذه الظروف، لكن هذا الطفل يرفض الاستسلام لهذا الواقع، ويقرر التمرد على نمط الحياة في قريته.

شكل فوز الفيلم اللبناني لنادين لبكي صدمة إيجابية كبيرة على المستوى الفني والثقافي في لبنان، واعتبر ذلك انجازًا فنيًا مهما يضاف الى سلسلة الإنجازات الثقافية والفنية اللبنانية وسارع رئيس الحكومة سعد الحريري ليكون أول المهنئين على هذا الإنجاز فقال في تغردية له: “مبروك للمخرجة نادين لبكي وكل طاقم فيلم “كفرناحوم” الفوز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي.. كل لبنان يفتخر بنجاحك يا نادين”. وفيما ترك الخبر ارتياحا واسعا في الوسط الفني والثقافي اللبناني إلا أن شريحة محددة عبرت عن موقفها بطريقة استفزت متابعي مواقع التواصل الإجتماعي وشريحة كبيرة من اللبنانيين، خصوصًا التغريدة التي خرجت بها الإعلامية في قناة المنار منار صباغ التي قالت فيها: “بمناسبة الإفراط بالحديث عن الشخصيات التي ترفع رأس لبنان عالياً لجائزة ما.. يا معشر المثقفين. هذه الصور لشهداء اليوم الأول من معركة القصير 2013، باعتقادي لبنان يكفيه هذا المجد لقرون”.

والموقف اللافت كان للنائب نواف الموسوي الذي قال فيه: “بلا لبكي، بلا وجع راس: وقت الجدّ ما فيه غير سلاحك بيحميك”. ولا ندري كيف تم الربط بين خبر فني وثقافي يهم لبنان واللبنانيين ويعتبر انجازًا في الحياة الفنية اللبنانية وبين صور الشهداء وذكرى القصير مثلا حسب تعبير صباغ وبين حماية لبنان بالسلاح حسب تعبير النائب الموسوي. لا ربط ولا تشابه بين الخبر وما تلاه من تعليقات إلا أنها الثقافة التي يراد لها أن تكون السائد الأول في لبنان وهي ثقافة الموت وثقافة الشهادة وثقافة السلاح على حساب ثقافة السلام والمحبة والإنسانية والفن. وخرجت التغريدات لتحصر المشهد بصورتين صورة ثقافية انسانية فنية وصورة أخرى تعبر عن الموت والحرب والقتل والسلاح وهي صورة العقل المتخلف الذي يرفض الخروج إلى الواقع الأكثر نقاء وحبًا وحياة.

لا نريد الدخول في إعطاء البلد عناوين مغايرة لصورة ما نحن فيه من أزمات ولكن نريد أن نقول أن المشاهد المشرفة للبنان هي بالتأكيد مشاهد الحياة والثقافة والفن والإنسانية بالدرجة الأولى والثانية، وهذه هي الصورة الوحيدة التي يجب ان تكون عنوانًا للبنان والشعب اللبناني، أما الصور الأخرى صور الحرب والموت والشهداء فهي الصورة الطارئة فرضتها ظروف وأجندات سياسية خارج الإرادة الشعبية وخارج إرادة اللبنانيين الذي يتطلعون دائمًا إلى لبنان كبلد للسلام والحياة والثقافة والعيش والتسامح بعيدًا عن لغة القتل والموت والمقاومة وغيرها.

كما لا أحد يستطيع أن ينكر المقاومة ودورها وشهداءها كمرحلة مشرفة في تاريخ لبنان وكذلك فإن أي أحد أيضًا لا يستطيع أن يتنكر أو أن يتجاهل الإنجازات الفنية والثقافية لأي لبناني ذلك أن هذه الإنجازات هي أيضًا مدعاة فخر للبنان واللبنانيين جميعا وإن الربط الذي ذهب إليه أولئك بين جائزة لبكي والمقاومة والشهداء والسلاح هو ربط في غير محله هو تشويش على هذا الإنجاز اللبناني الكبير هو إهانة للفن والثقافة اللبنانية هو اعتداء على قيم اساسية في المكون اللبنانية هي قيم الفن والثقافة والحياة.

ليست الصوايخ من يصنع مجد لبنان وليست صور الشهداء وحدها التي تشرف لبنان وليست ثقافة الموت وحدها التي تصنع شرف لبنان وعزته، في لبنان أيضًا صورة أخرى جميلة تعطي تقدم للبنان أجمل الصورة الفنية والثقافية وتعطي للبنان قيمته وحضوره.