الرئيسية » قضايا وناس » تشابه فاطمة المتسوّلة المليونيرة وجبل الهيبة الأزعر: زبدة الحقارة اللبنانية

تشابه فاطمة المتسوّلة المليونيرة وجبل الهيبة الأزعر: زبدة الحقارة اللبنانية

كتب جواد صالح : زبدة الحقارات اللبنانية مجتمعةُ في أسبوع واحد، شهد موت فاطمة وانبعاث جبل على شاشات رمضان

هما وجهان لعملة واحدة إن لم نقل “طيزان في فرد لباس”، على مجرى المثل الشعبي اللبناني. فاطمة المتسوّلة المعوّقة التي ماتت مادّة يدها بالشحادة، وجبل شيخ الجبل، الأزعر القويّ الذي يعيش مادّاً يديه على أرزاق الناس وكراماتها.

لكنّ كثرة من اللبنانيات واللبنانيين انغرموا، وانغرمنَ، بجبل شيخ الجبل، تماماً كما أدهشتهم فاطمة، التي كانت جزءا من ديكور شوارع بيروت المًحزن والمقزِّر، وانتبه الملايين فجأة إلى أنّها “أفضل منهم”، تحديداً في رصيدها المصرفيّ.

في إحدى المسرحيات الرحبانية، يقول أحد الأبطال: “الشحّاد حرامي جبان، والحرامي شحّاد وقح”.

وهذا هو اللباس الذي يتقاسمه جبل (جبل “الدور” والمسلسل، وبالطبع ليس الممثّل أو الشخص) مع فاطمة. هي الحرامي الجبان. كانت تبيع إعاقتها وتخبّىء قروشها البيضاء لأيّام لن تأتي. وهو الشحّاد الوقح، الذي يبيع المخدّرات ويتاجر بالممنوعات ويتسلّط على أرزاق الأخرين وكراماتهم ويقتل ويظلم، إن ببيع المخدّرات أو بالاستقواء، وما زال يجمع أموالاً لن ينعم بها طوال حياته. وربما لا تكون نهايته أقلّ فجاعة من نهاية فاطمة.

هي قضت حياتها تتسوّل، حتّى جمعت ملياراً وسبعمئة مليون ليرة. وربما أكثر بانتظار حصر إرثها: متسوّلة معوّقة لا تستطيع الوقوف، تأكل بقايا العابرين، وتدكّ مئات الملايين في قصبة عمرها المفخوتة. ماتت وبعد موتها سحرت اللبنانيين في كيفية جمعها ما يحلم كلّ لبنانيّ به: مليون دولار.

 

وهو بطل خياليّ، يستعير من حثالة العصابات الجردية، في أكثر من منطقة لبنانية، الكثير من وسخهم وحقارتهم، ويغلّفها مسلسل “الهيبة” بقالب من “السحر”، بوجهه الوسيم ودوره المُتقَن ونفوذه على من حوله وتسلّطه عليهم.

هذا ما “يسحر” الكثرة الكاثرة من اللبنانيين: القدرة على جمع المال الوفير، والتسلّط والنفوذ والقوّة، إلى حدود إهانة الأقربين والأبعدين، بسطوة المال والسلاح.

هذا ما “يسحر” الكثرة الكاثرة من اللواتي والذين حسدوا المتسوّلة المعوّقة على إرثها، واللواتي والذين يحسدون جبل على حياته المليئة بالحماسة والمال والتسلّط الأعمى.

كثيرون لم ينتبهوا إلى العار الذي عاشته فاطمة، مادّة يدها ساعات الليل والنهار، فقط كي تملأ رصيدا مصرفياً، لا أحد يعلم لأيّ هدف ولأيّ مصير. وكثيرون لا ينتبهون إلى حقارة شخصية جبل وتعدّيها على الآخرين، واحتقارها للقوانين وللدولة التي يدّعي معجبون به أنّهم يريدونها فعلاً.

جمع المال، والتكويش على السلطة. هذا هو حلم كلّ من افتتن ببطل الهيبة وبسيرة حياة المتسوّلة وموتها. وحسدٌ بلا منطق، بلا عقل، بلا أفق.

كأنّها زبدة الحقارات اللبنانية مجتمعةُ في أسبوع واحد، شهد موت فاطمة وانبعاث جبل على شاشات رمضان. زبدة الحقارة اللبنانية، ووجه صحّارتها.