الرئيسية » منوعات » شباب أونلاين » أنا سوري.. وهكذا هربتُ رغماً عني إلى ألمانيا

أنا سوري.. وهكذا هربتُ رغماً عني إلى ألمانيا

أن تقطعَ حدود الوطنِ هرباً من أوجاع مخاضه، أن تركب البرَّ والبحر والجو لترسو في صحارٍ جرداءَ أُقيمت في فسيحها خيامٌ لا تقيكَ برداً ولا حرّاً، فتنامُ وأنتَ ابنُ المدينة، ابن ذلك العمران الذي تراه بمدِّ البصر ينفضُ عنه دخاناً لقصفِ الأسود، أو ترسو على جبالٍ بارداتٍ في جرودٍ تحت سقفِ تلك الخيام نفسها، لكن هنا سيداهمك الجيش ليقتل الإرهابَ الذي ظنَّ أنه فيك ويحرق الخيمة التي تؤويك.

وإن حالفكَ الحظُّ ولم تصِبك رصاصات الجندرما التركية، فإنّك ستركبُ البحر ثم البر لأيّامٍ عديدة إن كنتَ قد نجوتَ من غضبة البحرِ وخفر السواحل، ثمّ ستصلُ أخيراً لمدنِ الرومانسية الباردة، تلك المدن القابعةِ زهوراً منتشيةً على قبر هذا العالم البائس.

ستصلُ إلى المدن الكبيرة والعظيمة؛ حيث المسارح والمتاحف والسينما والمطارات، والقطارات السريعة، والمهرجانات والليالي السامرة والسعيدة، ستقفُ وأنتَ ابن ذلك البلد المنهوش لحمه بحرب النظام على شعبه، ستقفُ لترى مؤسساتٍ ديمقراطية ترعى مصالح شعبها وتحميه.

ثمّ بعد أن يذهب الذهول عنك، وتقرر أن تبدأ حياتك مجدداً من نقطة الصفر، سترى ما خلف تلك الستائر الزاهية والأضواء المتلألئة فرحاً في سماء تلك المدن، ستغرقُ في الأعمال الورقية والقروض وأنماط المعيشة وستنسى أيّاً كان الذي هجّرَك من بلادك، ستنسَّقُ ضمن ملفات هذه المدن وتصبح رقماً فيها، ويصبح شغلك الشاغل أن تتحول من رقمٍ إلى مواطن، ستُذابُ أنت وقضيّتك التي هربتَ تحملها، ستُذابون معاً مع ثلوجِ تلك المدن الباردة.

فإنْ عُدتَّ ليلاً لرُشدِك، وتفكَّرت بالوطن والأهل الذين هُم هناك، وجدت سماء وأرض وماءَ هذه المدن تعربدُ في وجهك، ومهما حاولتَ إيجاد واقعٍ تعيشُ فيه تحت أنوارها، فشِلت، فلا الديارُ ديارك ولا القومُ يشبهونك بشيء، وهنا ستبدأ حكاية الأقنعة!

أقنعةٌ ليست من صُنعك أنت، بل من صُنع الواقع، من صُنع ما بين الماضي واليوم، من صنع حربِك بين ظاهرك وباطنك.

ترسم الأقنعة، تضعها، تبدأ يوماً، تعيشُ في مجتمعٍ لا يشبهك، تضحكُ من خلالها، تتكلم من فمها لغةً غريبةً، ثم تعود منزلك ليلاً، تنزعها، فأمّا تحتها فهو وجهٌ عابسٌ مفعمٌ بالحنين وملطَّخٌ رغماً بالأمل، تحتَ هذا القناع هو حبٌ صادق وشوقٌ صادق وتجاعيد تشبه أرضَ ذلك الوطن.

ستتوه يا ولدي في ليالي أوروبا الصاخبات، ستغزوكَ أضواؤها، وتحجب نواطح سحابها عنك شمسها الباردة، سيُصيبك دوار مدنها، وبلا شكّ سيسبقكَ الوقت فيها.

ومهما سارعتَ الخُطى فإنَّك لن تدرِكَ ما فاتَك؛ لأنَّك شريدٌ يا صاحبي وأسيرُ هذا « اللاوطن » الذي تعيش فيه؛ لأنَّك كتلة متنقلة من الأحلام المتعبة، الأحلام التائهة التي مذ كانت ترسو على الشطِّ علِمت أنَّ رحلتها في المياه الضحلةِ محفوفة بالمخاطر وممزوجة بالتضحيات، فإن قاومتَ الموجات العاثرة ومضيتَ إلى نور الشمس الذي خاطرت كل الطريق لتصل إليه، فكن بيقينٍ يا صاحبي أنّ نورها لا بدَّ يوماً من أن يجد طريقاً إليكَ مهما تعثَّرت دروبك، ومهما حاولت كل مدن العالم صهرك وتحويلك لكمٍّ مهملٍ على هوامش الحركات المجتمعية، وأمّا إن تركتَ مصيرك بيد تلك الموجات اللئيمة، فلتعلَم أنّه ما لانبعاثكَ من سبيل، وأنّكَ خسرتَ كل المعارك، ويالَسوء ذلك!

بلال البرغوث 

المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع