الرئيسية » منوعات » شباب أونلاين » تركوا وعود الجنة والحور العين !.. شباب غزة لماذا ينتحرون ولا يستشهدون؟!

تركوا وعود الجنة والحور العين !.. شباب غزة لماذا ينتحرون ولا يستشهدون؟!

تكاثرت في الآونة الأخيرة حوادث الانتحار في قطاع غزة على وجه الخصوص. بالأمس، وقعت قصتان لانتحاريين مريبتان؛ الأولى لشاب عشريني تزوج قبل شهور معدودة وانتحر الآن. والأخرى لمعتقل سياسي كان على وشك الخروج، ولكنه انتحر.

لن أحاول تكذيب قصة أمن حماس في الادعاء أنه انتحر، سأتوقف عند الموضوع على أنه حادث انتحار، فلا داعي لمحاولة معرفة ما يجري في معتقلات الأمن الفلسطيني بين أجهزته في فتح وحماس، فالحمد لله، كلاهما في التعذيب والتنكيل بالمواطن المعترض سواسية!

سأحاول التركيز في سؤالي المحوري: لماذا يقدم الشباب على الانتحار، في وقت يعرفون فيه تماماً أن هذا العمل يخرجهم من دائرة الآخرة بارتقاب جنة، والعيش في نار لا تقل جحيماً عن عيش الدنيا.

لماذا ينتحرون وأمامهم فرصة الشهادة؟ فقناصة الاحتلال على بعد أمتار عن السياج في مسيرات أسبوعية.

في مرحلة العمليات الاستشهادية قبل أكثر من عقد، خرجت مقولات بأن الكثير من الشهداء يخرجون إلى العمليات بدل الانتحار، قد تكون حسبة كاسبة لمن يريد الانتحار، يخرج بماء الوجه على الأقل في الدنيا كشهيد، وأمر انتحاره يكون بين يدي خالقه.

ولكن الآن، يبدو من الصعب استيعاب لجوء الشباب المتدين جداً في غزة، والذي يخشى المتطوعين في الأماكن العامة ويضبط تصرفاته لإحكامها نحو طريق الآخرة، للانتحار.

ما الذي كفر به هؤلاء الشباب؟

في السابق كانت فكرة الانتحار عن طريق الاستشهاد، إذا ما كانت حقيقة، مصوغة وأقرب إلى الفهم. فعندما تتساوى الحياة تحت الاحتلال بالموت، يكون اختيار الموت من أجل آخرة يكون المرء فيها بمنزلة الشهداء، اختياراً ذا منطق، لمن يؤمن بأن الموت في سبيل الوطن شهادة تدخله الجنة.

ولكن ما الذي يجري الآن؟ عندما يتنازل هذا الإنسان عن دنياه وآخرته بضربة مميتة ومهينة، يعاقب فيها نفسه وعائلته ووطنه ودينه؟

شباب غزة هؤلاء الذين يقفون بكل بسالة أمام اضطهاد الاحتلال وخنق الحصار، بقوام مبتورة ليقولوا للعالم كلمة حق أمام باطل غاشم، لماذا ينتحر شبابهم وأمامهم فرصة الموت كشهداء أمام العالم؟

في الجهة المقابلة من الاضطهاد، عندما تعلن جهات الأمن في أجهزة حماس انتحار معتقل لديها، كيف تروج لهكذا ثقافة؟ ثقافة مكروهة ومرفوضة من قبل الديانات جميعها وتنبذها الطبيعة أمام ما وهبنا به من حياة.

هل بات الانتحار لهذا المعتقل أهون من العيش أمام ما رآه في الاعتقال؟

عندما نرى تزايد الانتحار في غزة، فالمؤشر الواضح نحو انفجار بدأ لا يحتاج إلى تحليل.

عندما يصل الشاب إلى مرحلة لا يهتم فيها لما سيحدث له بعد الموت، لا بد أن هذا الشاب عاش جحيماً لا يمكن تحمله، ونار جهنم بالكاد يكون فيها تغيير بالنسبة لجحيمه المعاش.

عندما يفقد الشاب انتماءه لدين تربى وعاش وآمن به وكان جزءاً لا يتجزأ من تكوينه .

عندما يفقد الشاب شعور الأسى لمن سيترك وراءه من أحبة سيعيشون في عار الانتحار.

عندما لا يأبه الشاب بجسده الهالك وعدم الصلاة عليه وإقامة الجنازة من أجل راحة روحه.

عندما يختار الشاب أن ينتحر لا أن يستشهد في وقت الشهادة فيه سهلة ومتاحة.

فإن هذا أكثر هولا مما نتخيله.

ما يحاول هؤلاء إرساله لنا من رسائل: نحن معشر البشر القابعين خلف جدار الحصار ولا نفهم منه إلا بعض الشعارات، أن الموت بجحيمه الأكيد صار أرحم من الحياة.

لم يعد هؤلاء الشباب يشترون آخرة بسبعين حورية وجنات نعيم وأنهار من الخمور، لقد تركوا وعود الجنة مقابل شهادة متاحة في زمن يصدر فيها الحكام صكوك الغفران باسم الله.

لقد فقد الشباب هؤلاء ثقتهم بكل ما يمكن أن يربطهم بالدنيا والآخرة، يريدون قطعها نهائياً. كفروا بكل شيء.. حتى بعدل عاشوا حياتهم القصيرة ينتظرونه بآخرة.

ما يحدث مؤلم، موجع، مفجع.

حوادث الانتحار هذه مصيبة أكبر من مصاب الحصار والاحتلال.. الانتحار يعكس حالة نذهب إليها، بعضنا تداركها فانتحر، وبعضنا كفر فألحد، وبعضنا خرج عن دينه وإيمانه وأدمن على الترامادول والسموم، وبعضنا هج ورحل وبعضنا رمى نفسه في قوارب الموت على البحر يكون فيه نجاة من هشيم حياة الحصار، وبعضنا رمى طوبة الوطن وأغلق على نفسه بيته وتنسك بانتظار موت رحيم.

ما يحاول هؤلاء قوله، أنهم كفروا بمن يديرون هذا الوطن، وسيؤثرون على جحيم من رب البشر على استنزاف واستحواذهم لمماتهم كما استنزفوهم بحياتهم.. إنا لله وإنا إليه راجعون، فلتكن رحمة الله عليهم.

نادين حرحش