كان سعر سهم سوليدير يوم إنشائها 10 دولارات، وهو أغلق أمس على 7.22 دولار للفئة (أ) و7.12 للفئة (ب). خسر السهم نحو ثلث قيمته بعد 24 عاماً على إنشاء الشركة. الخسارة واقعة على رغم مزاعم إدارة الشركة بأن لديها محفظة أصول من 1.7 مليار متر مربع تقدّر قيمتها السوقية بنحو 4.8 مليار دولار. طريقة الترويج نفسها لم تعد فاعلة في استلاب عقول المساهمين. بات واضحاً أن الشركة باعت أكثر من نصف مخزون العقارات التي تكون منها رأس مالها. مجمل المبيعات وصل إلى 2.7 مليار دولار، إلا أن حصّة المساهمين من أنصبة الأرباح أقل من 45%، أما نسبة الكلفة التشغيلية فتتجاوز 55%. الأسباب الكامنة وراء هذا الفشل هو «التسرب». جزء من الثروة العقارية التي استولت عليها سوليدير من أصحاب الحقوق تسرّبت إلى جيوب مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية التي تسيطر عليها عائلة الشمّاع وبعض كبار المديرين المحميين سياسياً وأقربائهم برواتب خيالية. إيجارات لبعض الأقرباء، أو سمسرات وعمولات على صفقات البيع والمقاولات، أو حتى شراء منازل بأسعار زهيدة. استعمال أموال الشركة بأهداف حمالة أوجه.

هناك الكثير من العينات عن فساد الشركة وطرق الإنفاق فيها، كان آخرها الصفقة التي تمّت بين الشركة المملوكة من نمير قرطاس الذي تربطه صلة قرابة مباشرة مع رئيس مجلس الإدارة ناصر الشمّاع، وبين سوليدير. وبينما نال قرطاس بسهولة أكثر من 6 ملايين دولار من أموال الشركة، كانت الإدارة تعمل على لفلفة فضيحة أخرى تتعلق بمدير الأسواق (ر. ع) الذي تربطه صلة قربى بـأحد أبرز المدراء في سعودي أوجيه نزيه الحريري، وهو محظي بحماية استثنائية من النائبة الصيداوية بهية الحريري.

خلال 2017 تبيّن أن هناك عملية تزوير في إصدار وتسجيل السندات في الشركة قام بها (ر. ع) وهو تمكّن من اختلاس 4 ملايين دولار على شكل أسهم. إدارة سوليدير ذكرت في تقريرها النصف سنوي أنها أطلقت «تمريناً» يتيح لها الفصل في تناقضات موجودة في مركز تسجيل الأسهم لديها، ويضمن دقّة المعلومات في قاعدة البيانات والالتزامات الأخرى المترتبة على الشركة. «البحث لا يزال جارياً ويتطلب المزيد من الوقت لإتمامه، لكن الإدارة خصصت مؤونات بقيمة 4 ملايين دولار لتغطية الخسارة المرتقبة بخصوص هذا الأمر».

في التقرير السنوي لعام 2017، كرّرت الإدارة توصيفها للأمر على أنه «تمرين»، مشيرة إلى أنها توصلت إلى وجود نقص في الأسهم المسجلة وخصصت لتغطيته مبلغ 4 ملايين دولار.

ترفض إدارة سوليدير اعتبار الأمر تحقيقاً حتى لا تكون مضطرة للإفصاح عما تبيّن في الحقيقة. ما حصل هو أن (ر. ع) اختلس 4 ملايين دولار على شكل أسهم، ثم استقال ونال كل تعويضاته كاملة وفوقها «حبّة مسك». كان الراتب الشهري لهذا المدير يفوق 20 ألف دولار شهرياً، وكان واحداً من المديرين الذين يقومون بأعمال السمسرة على نطاق واسع في الأسواق التجارية وخصوصاً لجهة تأجير المساحات للشركات. يقال أن هناك اختلاسات أكبر في هذا المجال لكنها غير واضحة في التقرير المالي.

(ر. ع) لم يكن محسوباً على آل الشمّاع وإنما راتبه كان كبيراً. رواتب الشّماعيون كانت أعلى. هم الفئة الأكثر حظوة في الشركة. هم أكثر من 20 فرداً تربطهم صلة قربى مباشرة أو غير مباشرة برئيس مجلس الإدارة ناصر الشمّاع. رواتب الواحد منهم في الشركة تتراوح بين 15 ألف دولار وقد تتجاوز 50 ألف دولار شهرياً. بعضهم لا يقوم بأي أعمال في الشركة. بعضهم الآخر تقاعد قبل سنوات، لكنه يستمر عبر عقد استشاري.

أبرز من هم ضمن هذه الفئة، هو مدير الخدمات العامة عبد القادر الشمّاع. يوصف بين الموظفين بأنه «الشبيح» الذي توكل إليه مهمة التنكيل بالموظفين غير المحظيين. تقاعد منذ أربع سنوات لكنه يستمر في الشركة عبر عقد استشاري وهو يشرف على أعمال الفيلا التي يشيّدها ناصر الشمّاع على قطعة أرض في وسط بيروت، ويقال أنه يقوم بصيانة منزله في صيدا على حساب الشركة.
ومن البارزين أيضاً، هناك عبد الرحمن الصلح. تربطه صلة مباشرة بالشمّاع عبر الأم. خصّص له الشماع مقعداً في مجلس إدارة شركة سوليدير انترناشيونال، وكان يشغل مركز مدير المشتريات والمسؤول عن بيع الأراضي. يتردّد بين الموظفين أنه كان يركّز على أمرين: العمولات من المبيعات، وإقامة المآدب على شرف السفراء كجزء من عمله الترويجي.
ابن شقيقة ناصر الشمّاع، أديب النقيب، وهو يشغل مركز مدير التسويق والتواصل. كان يعمل في سوليدير انترناشيونال، لكنه لأسباب متعلقة بعدم كفاءته وفاعليته هناك أعيد إلى سوليدير لبنان براتب يفوق 25 ألف دولار. يقال أنه ستكون لديه المقدرة على المشاركة في كل صفقات مبيعات الأراضي أيضاً. خطيبته تعمل أيضاً في الشركة.
عبد الغني الشمّاع هو مهندس يعمل في الشركة أيضاً. أما كريم ناصر الشمّاع فقد تدرب في الشركة وسلّم أحد المشاريع فيها قبل أن يرحل إلى إسبانيا. رشا النوّام أيضاً تربطها صلة قربى بناصر الشماع، وهي تعمل في الأسواق التجارية مع ماهر النقيب. الأخير استلم مركز مدير الأسواق التجارية بدلاً من (ر.ع) ونال راتباً خيالياً أيضاً. آل درويش الذين تربطهم صلات عائلية بناصر الشماع، لهم حصّة في الشركة أيضاً. غسان درويش هو مدير إدارة المشاريع، وسيما درويش موظفة إدارية وحسن درويش كان موظفاً إدارياً استقال ثم أعيد توظيفه، أما سامر درويش فهو مدير إدارة الأملاك براتب يفوق 20 ألف دولار شهرياً.

جومانة الشمّاع النقيب. شقيقة ناصر الشمّاع تعمل أيضاً في الشركة وكانت مسؤولة عن مشروع متحف العلوم، وابنة عبد القادر الشماع أميرة تعمل في دائرة التطوير العقاري قبل أن يتم إرسالها إلى أميركا للتخصص على حساب الشركة، وسامي الشمّاع يعمل في المحاسبة. سامر سلهب استلم علاقات الشركة مع المستأجرين براتب خيالي أيضاً، وسليم عثمان مدير الخزينة في الشركة، نازك شعبان التي استقالت ثم أعيد توظيفها مجدداً. عمر الشمّاع يعمل هناك أيضاً في الصيانة. أميرة الصلح أيضاً استقالت من الشركة ثم أعيد توظيفها بعقد استشاري وهي لا تزال تعمل منذ سنوات عدة على ما يعرف بـ«المسار التاريخي لبيروت»!
ومن كبار المديرين التنفيذيين خارج عائلة الشمّاع، هناك منير الدويدي الذي بلغ سن التقاعد لكن ناصر الشمّاع تمسّك به نظراً لكونه «كاتم أسراره» وجدّد له في الشركة بعقد استشاري. لم يتغير راتب الدويدي وبقي على مستواه بقيمة 50 ألف دولار شهرياً. قريب الدويدي، راني كريمة تحوّل إلى اليد اليمنى لناصر الشماع، ويعتقد أنه لا توجد قرارات في الشركة إلا وتمرّ عبره. ثقة ناصر به كبيرة وراتبه أكبر.

إلى جانب الفساد والاختلاسات المتكررة والتوظيفات، كانت هناك عمليات تحابي المصارف على حساب أموال الشركة، إذ رتبت الإدارة على ميزانية الشركة قروضاً مصرفية تراكمت وتأجلت مراراً وتكراراً حتى باتت مديونية الشركة تبلغ اليوم 800 مليون دولار. دين ثقيل على شركة تسجّل في ميزانيتها سندات مشكوك بتحصيلها بقيمة تفوق 360 مليون دولار، ولم تتمكن من بيع أي قطعة أرض ولو بسعر محروق.

الأسعار المحروقة تعني أن الأكلاف التشغيلية ستأكل الأرباح. الكلفة التشغيلية هي مصدر «الربحية» لأصحاب النفوذ والسلطة في الشركة من أعضاء مجلس إدارة وإدارة تنفيذية. اليوم تدرس الشركة طريقة جديدة لامتصاص أصول الشركة. ستقوم شركة سوليدير انترناشيونال بشراء أسهمها من المساهمين بقيمة 80 دولاراً لكي تمنحهم أرباحاً بطرق التفافية. «سوليدير» تملك 39% من أسهم «سوليدير انترناشيونال»، أي إن تجميل حساباتها مرتبط بخفض حصتها في «سوليدير انترناشيونال».

في عام 2017، بلغت قيمة الرواتب والمنافع وكل ما يرتبط بها في شركة سوليدير، نحو 19.6 مليون دولار. الشركة تصرّح عن مخصصات لمجلس الإدارة بقيمة 300 ألف دولار، وخدمات احترافية بقيمة 2.7 مليون دولار، و655 ألف دولار للتسويق والدعاية، و2.7 مليون دولار للصيانة والمكاتب وسواها، و650 ألف دولار للسفر ومتفرقات بقيمة 1.7 مليون دولار. هذه المعطيات وردت في الفقرة 24 من التقرير المالي، لكن الفقرة 29 المتعلقة بالتحويلات إلى الأطراف المتصلة بالشركة، تشير إلى أن كامل استفادة التنفيذيين في الشركة وأعضاء مجلس الإدارة بما فيها رواتبهم ومخصصاتهم والمكافآت وسواها، تبلغ 2.7 مليون دولار.
هناك أشكال عدة من استفادة التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة من أموال الشركة. التقرير الخاص لمجلس الإدارة عن تعاملات الشركة مع شركات يملكها أو يساهم فيها أعضاء مجلس إدارة سوليدير، تكشف جانباً كبيراً من هذا الأمر. يقول التقرير أن عضو مجلس إدارة سوليدير باسيل يارد، يشغل عضوية مجلس إدارة بنك ميد وبنك ميد سويس، علماً أن الشركة تتعامل مع هذا المصرف بالحساب الجاري وحساب الودائع لأجل تسهيلات مصرفية أخرى.
ويضيف التقرير أن أتعاب عضو مجلس الإدارة ماهر بيضون الموكل بالاستشاريات المتعلقة بعلاقات الشركة بالغير بلغت 174 ألف دولار. روفائيل صبّاغة، هو الآخر عضو مجلس إدارة في سوليدير، لكنه عضو مجلس إدارة في شركة إنماء واجهة بيروت البحرية التي اتفقت مع سوليدير على شراء العقارين 1455 و1456 ميناء الحصن بقيمة 31.6 مليون دولار تم تسديد 6.4 مليون منها من خلال تملك 50% من مجموع أسهم الشركة المذكورة، وسجّل باقي الرصيد قرضاً على الشركة تراكم ليبلغ 57.9 مليون دولار عليه فائدة غير مدفوعة بقيمة 21.3 مليون دولار. بهذه العملية تكون سوليدير قد دفعت كامل ثمن العقارين المباعين وسجّلت الثمن استثماراً في شركة أخرى من جهة، وقرضاً لها من جهة ثانية لم يسدّد منه شيء.

(الأخبار)