الرئيسية » رصد » “ستصافحه إذاً؟ حسناً، لكن من دون عناق”… اتفاقية أوسلو بعد ربع قرن على “القرف المسرحي”

“ستصافحه إذاً؟ حسناً، لكن من دون عناق”… اتفاقية أوسلو بعد ربع قرن على “القرف المسرحي”

كتبت هيفاء زعيتر : بدأ الأمر بسريّة شديدة عام 1992. حينها، كان كل من رون بونداك ويائير هيرشفيلد قد شرعا – بطلب من الحكومة الإسرائيلية – بسلسلة لقاءات مع ثلاثة أعضاء رفيعي المستوى من منظمة التحرير الفلسطينية. أما المكان فكان أوسلو النروجيّة، بعيداً عن أعين من قد يفضح اجتماعات مماثلة تضع الجانبين في خطر كبير لا سيما وأن الاتصال غير القانوني بينهما كان بمثابة خيانة كبرى.  

شهد ذلك العام جولات عديدة من المحادثات والمفاوضات الأوليّة، وفي أوائل عام 1993 تلقى المحامي الإسرائيلي يوئيل سنغر – التي كانت تجمعه برئيس الوزراء حينها اسحاق رابين علاقة ثقة وطيدة – اتصالاً من وزارة الخارجية الإسرائيلية يدعوه للقدوم من الولايات المتحدة إلى إسرائيل على وجه السرعة.

كان الغرض من الزيارة الاطلاع على وثيقة سريّة. وفي فندق الهيلتون، التقى سنغر بهيرشفيلد الذي سلّمه الوثيقة كي يراجعها ويسجّل ملاحظاته عليها قبل الاجتماع بالوزيرين يوسي بيلين وشيمون بيريز في اليوم التالي. “كانت تبدو معقدة، لكن ثمة ما أعجبني فيها آنذاك. كانت مخططاً واضحاً للتنفيذ على مراحل”، يروي سنغر.

تلك كانت المسودة الأولى لاتفاقية أوسلو التي ستبصر النور رسمياً في 13 سبتمبر 1993، بعدما جرى توقيعها في احتفال رسمي في البيت الأبيض بحضور ياسر عرفات ومحمود عباس عن منظمة التحرير الفلسطينية، وزير الخارجية شيمون بيريز عن إسرائيل والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

في الذكرى الـ25 للتوقيع، يعيد كثر من المشاركين في الاتفاقية وممن عايشوا تبعاتها حساباتهم بشأنها، إلى درجة الاعتراف بفشلها الكبير في أحسن الأحوال، وبموتها التام في أسوئها.

رابين لم يرغب بمصافحة عرفات

في الذكرى الـ 25 للتوقيع، الذي غيّر مجرى الصراع العربي – الإسرائيلي عموماً والفلسطيني – الإسرائيلي تحديداً، يظهر ميزان الربح الإسرائيلي فائضاً في مقابل خسائر بالجملة تكبّدها الجانب الفلسطيني، لم يكن أقلها تعميق الشرخ في صفوفه منذ الانقسام الأول الذي كرّسته تلك المصافحة الشهيرة بين عرفات ورابين.

المصافحة، التي كلّفت الفلسطينيين ثمناً أكثر من باهظ وكانت بمثابة “مصيدة” سياسية تركت تداعيات عليهم شبيهة بما تركه وعد بلفور، نظر إليها رابين بفوقية شديدة إلى درجة القرف.

“لقد قلت لإسحق رابين إنه في حال كان حريصاً على السلام بالفعل، ينبغي عليه مصافحة عرفات لإثبات ذلك، تنهد رابين وقال بصوته المتعب: إننا لا نبرم اتفاقيات السلام مع أصدقائنا، فسألته: ستصافحه إذن؟ فرد بلهجة جافة: حسناً، حسناً، ولكن من دون عناق”، هذا ما رواه كلينتون – راعي الاتفاق- في مذكراته عن المصافحة التاريخية بين الرجلين.

عادت آثار تلك المصافحة – التي وصفها جدعون ليفي في مقال حديث بـ”القرف المسرحي” – لتؤكد فشل الاتفاقية من خلال وثائقي “يوميات أوسلو” الذي أثار ضجة منذ عرضه لأول مرة في 21 يناير الماضي في مهرجان “ساندانس” للسينما المستقلة، بينما أعلنت شبكة “إتش بي أو” التليفزيونية الأمريكية عن شرائه بغية عرضه بالتزامن مع مرور ربع قرن على الاتفاقية.

يروي الوثائقي، للمخرجَين مور لوشي ودانيال سيفان، كواليس 1100 يوم من المحادثات السرية، كاشفاً وثائق من أرشيف المباحثات للمرة الأولى. وعن الفيلم، كتب ليفي واصفاً رابين وبيريز بـ”مجرمي أوسلو”. وثائق الفيلم، حسب الكاتب، تثبت كيف أنه رغم كل الشكوك تجاه الاتفاقات إلا أنه كانت توجد فرصة، لكن رابين وبيريز وآخرين فوتوها بشكل مصيري.

 

“هيرشفيلد يعظ بالأخلاق بتكبر نموذجي وتهديدي على أبو علاء، لأنه تجرأ على ذكر الاحتلال النازي للنروج ومقارنته بالاحتلال الإسرائيلي… التعالي نفسه تجاه الفلسطينيين رافق من أداروا المفاوضات وعلى رأسهم المستشار القانوني للحكومة يوئيل سنغر، الذي يكشف في الفيلم شخصية رافضة ومتغطرسة بشكل خاص”، حسب ليفي.

المسؤولية الكبرى في الفشل تقع على “بطلَي السلام ومجرمَيه”، أي شمعون وبيريز. برأي ليفي “الاثنان شرعا بالمفاوضات بنيّة خداع الفلسطينيين قدر الإمكان. ليس هناك لحظة من المساواة أو المنطق. عندما تم الاتفاق على إخلاء الضفة في النبضة الثانية صمما على نسبة 2 في المئة فقط”، ويضيف “ادعيا وجود (تعقيدات أخلاقيّة) بالجلوس مع منظمة (التحرير الدموية)، وكأنهما لم يسفكا قطرة دم خلال حياتهما… لم يقوما بتهجير مئات الآلاف في 1948… ولم يقيما مشروع الاحتلال عام 1967”.

شعور “القرف المسرحي” الذي أظهراه، لا سيما رابين، من مصافحة ياسر عرفات، كشف نظرتهما الحقيقية تجاه الفلسطينيين. يقول ليفي “إذا كان هناك من شخص يجب عليه أن يخشى من المصافحة فهو عرفات، الذي اضطر إلى مصافحة أيدي محتليه وسالبيه. عرفات أراد أكثر من رابين البدء في فصل جديد”.

بحسب ليفي كان هناك فرصتين لإنقاذ الاتفاق، الأولى حين خلق رابين انطباعاً بأنه ينوي إخلاء مستوطنات الخليل بعد مذبحة باروخ غولدشتاين ولم يف بأقواله، فحسم مستقبل العلاقات إلى الأبد، والثانية حين رفض بيريز، بصفته رئيس حكومة، مسودة الاتفاق الدائم التي توصل إليها بيلين ومحمود عباس، خوفاً من الانتخابات.

الخطيئة الأساسية

في مقال آخر، حمل عنوان “آمنت باتفاق أوسلو لسنوات. لكنه لم يكن أكثر من خيبة أمل”، قال ليفي إنه لم ينتج عن أوسلو سوى 25 عاماً من الاحتلال الخارج عن السيطرة، المزيد من المستوطنات والوحشية.

كتب ليفي “كانت سنوات عديدة قبل أن أستيقظ من الحلم وفهمت أنني قد وقعت في الفخ… ياسر عرفات وجزء كبير من الشعب الفلسطيني سقطوا فيه أيضاً… كان هناك دم فلسطيني على يدي رابين أكثر من الدم اليهودي على يدي عرفات. كان عرفات يصافح يد الرجل الذي استولى على مدينتي اللد والرملة عام 1948 والمسؤول عن كل ما حدث هناك في ذلك الوقت، يد الرجل الذي ردّ بوحشية في الانتفاضة الأولى. كان عرفات يصافح يد من طرد شعبه واحتل أرضه”.

خطيئة أوسلو الأساسية برزت بإغفالها مسألة السيطرة على المستوطنات التي كانت في ذلك الوقت على نطاق أصغر مما هو عليه الآن.

عن هذه الخطيئة تحدث يوئيل سنغر، الذي صاغ مسودة الاتفاقية، بعد أكثر من عشرين عاماً من من الصمت. من اتهمه ليفي بالغطرسة والتعنّت، قرّر أن يعيد قراءة ما اشترك فيه بعد كل هذه السنوات، واصفاً نفسه بـ”الساذج” حينها.

أبرز تلك الأخطاء وأكبرها، حسب سنغر، كان رفض المطلب الفلسطيني بوقف بناء المستوطنات اليهودية. “لقد عاندنا الفلسطينيين، بناء على أوامر رابين وبيريز، رفضاً لتجميد المستوطنات”. وهكذا، حسب المحامي الإسرائيلي، تمّ إجهاض أي احتمال بإقامة دولة فلسطينية مستقلة هناك، “لكن من كان يعتقد أن فترة انتقالية مدتها خمس سنوات [المحدّدة في اتفاقية أوسلو لمفاوضات الوضع النهائي] ستصبح 25 سنة؟ من كان يظن أنه سيتم اغتيال رابين؟”.

وأضاف سنغر لما سبق ما اعتبره أسباباً أخرى للفشل، بينها تسليم الأمن للسلطة الفلسطينية سريعاً والثقة الزائدة بياسر عرفات وقدرته على محاربة الفصائل المعارضة لأوسلو وعلى رأسها “حماس”.

“لا لم يمت” أو “مات لكننا لا نريد دفنه”؟

رأى روني شكيد أن “اتفاقية أوسلو لم تمت، فهي حية تُرزق”.

وفي مقال له، نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، شرح قائلاً “صحيح أن التنفيذ اقتصر على البنود الأولى، ولكن الواقع الذي خلقته خدم إسرائيل: احتلال المناطق أصبح مريحاً أكثر بكثير. إقامة الكيان الفلسطيني السياسي أعفى حكومات إسرائيل من عبء الصيانة الجارية للمناطق، والتعاون الأمني الذي وُضعت مبادؤه في أوسلو يتم بنجاح، بما يرضي إسرائيل، بينما السلطة الفلسطينية مجرّدة من السلاح عملياً”.

وأضاف شكيد “اتفاقية أوسلو لم تمس بالقدس، حق العودة لم يُنفذ، مناطق السيطرة الفلسطينية ليست في تواصل موحد بل كجيوب… ومن ناحية مخاوف اليمين (المتخوف من الاتفاقية منذ توقيعها) لم تمنع الاتفاقية المشروع الاستيطاني، فمنذ أوسلو ارتفع عدد المستوطنين بنحو أربعة أضعاف، من 115 ألف مستوطن إلى 450 ألفاً”.

“نجحت أوسلو في إجراء فصل أولي بين الفلسطينيين والإسرائيليين والحل القائم على دولتين تم وضعه في غيبوبة وبالنسبة لنتنياهو يمكن لهذه الغيبوبة أن تستمر إلى الأبد ويبدو أن أبو مازن أيضاً يحبها”، هذا ما كتبه بن كاسبيت في “المونيتور”.

يلاقي كاسبيت في التأكيد على هذا الرأي المحلل الفلسطيني عثمان عثمان الذي قال “جعل الاحتلال من أوسلو مصدر حياة لموظفي السلطة، التي وُلدت من رحم الاتفاقية وحصلت على دعم مالي وفق ما جرى التوقيع عليه، لذلك إن أعلنت المنظمة إلغاء أوسلو فإن آلاف الموظفين سيجلسون في بيوتهم وستتوقف التسهيلات لقادة السلطة”.

من جهته، وبعد ربع قرن على الاتفاقية، أقرّ أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات بفشلها، بموازاة ذلك، تدعو الفصائل الرافضة لأوسلو، ومنها “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، إلى “لقاء وطني كبير” يوم الخميس المقبل لـ”التأكيد أن الشعب الفلسطيني يقف خلف مشروع الحقوق والثوابت ويتبنى خيار المقاومة ويسجل رفضه العارم لاتفاقية أوسلو”، معتبرة الحضور “واجباً وطنياً”.

“نوبل للسلام” ولكن…

عام 1994، حصل كل من رابين وعرفات وبيريز على جائزة نوبل للسلام مجتمعين. ولكن منذ ذلك الوقت، طرأت مستجدات كثيرة. اغتيل رابين بيد متطرف يميني عام 1995، ثم انتهت الفترة الانتقالية التي مدتها خمس سنوات بموجب اتفاقية أوسلو والتي كان من المقرر أن تؤدي إلى تسوية نهائية دون التوصل إلى حلّ.

لاحقاً، اندلعت انتفاضة فلسطينية ثانية في 2000. ومنذ سيطرة “حماس” على قطاع غزة عام 2007، شنت إسرائيل ثلاثة حروب عليه، بينما تضاعف بناء المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية، حيث يعيش نحو 600 ألف مستوطن إسرائيلي حالياً في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة.

وأعاد مصطفى البرغوثي مشاركة مقال، سبق ونُشر إثر توقيع الاتفاق في التسعينات، ليؤكد أن مرور الزمن لم يغيّر ما كُتب آنذاك حول المآخذ على الاتفاقية، لا بل أكد على صحة المخاوف منها.

“الدمج بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية الناشئة، والمحكومة من الألف إلى الياء باتفاقية أوسلو، أدى إلى خلخلة الوحدة المتينة للشعب الفلسطيني، إلى نشوء فصل لأول مرة على أرض الواقع بين قيادة منظمة التحرير( التي غدت السلطة) والناس، إلى فصل الشعب الفلسطيني بين الداخل والخارج بعد تراجع مكانة منظمة التحرير وإلى انفتاح باب التطبيع بين إسرائيل والدول العربية”، وفقاً للبرغوثي.

يبدو أن ثمة شبه إجماع على فشل أوسلو من الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، وصولاً إلى نسف الجانب الأمريكي (ممثلاً بالرئيس دونالد ترامب) معظم، إن لم يكن كل، بنود الاتفاقية. من إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، إلى قرار وقف أعمال “الأونروا” وصولاً إلى عدم الاعتراف بمنظمة التحرير والذي تُرجم بإغلاق مكاتبها في الولايات المتحدة.

“لقد كان اتفاق أوسلو واحداً من أكبر الحسابات الخاطئة دبلوماسياً على مدار التاريخ”، هذا ما كتبه الأمريكي شارل كروتمر تعليقاً، واليوم بعد مرور ربع قرن يرفض المعنيون – لمصالح خاصة واستراتيجية – دفنه رغم اعتراف الجميع، تلميحاً أو علناً، بموته باكراً، وباكراً جداً ربما قبل ولادته.