الرئيسية » أخبار لبنان » البطريرك صفير عن بشير… حقاً قال!

البطريرك صفير عن بشير… حقاً قال!

عندما يكتب البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير عن الرئيس بشير الجميل، فهذا يعني أن بطريركاً تاريخيًا يكتب ويحكي عن رئيس تاريخي، ويكشف الى العلن عما اختلجت به نفسه في السر. ذلك أنه من النادر أن يفعل مطران مثل هذا الفعل نزولاً عند ما تقتضيه مسؤولياته الدينية التي تفرض عليه وعلى غيره التحفظ، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموقف عاطفي أو عقلاني من رجل سياسي مهما بلغت مسؤوليته. ذلك أن الإعجاب يبقى في القلب حتى تأتي اللحظة التي تفجره وتخرجه الى العلن، ليصبح ما في القلب على اللسان فعل إيمان متجدد وإعلان وجداني نابع من عاطفة جياشة كامنة.

ما كان يفعله بشير الجميل كان يؤمن به البطريرك صفير. من يحاكي سيرة سيد بكركي من العام 1986 حتى العام 2011 يدرك أن فيه الكثير من عنفوان بشير الجميل، وإن عبّر عنه بطريقة مختلفة. فالقائد الميداني والسياسي هو غير القائد الديني. موقعه مختلف. طبيعته مختلفة. شخصيته مختلفة، ولكن همومهما واحدة. يلتقيان في الأهداف وإن تعددت الدروب.

كان بشير الجميل ثورة لا تهدأ، وكان البطريرك صفير ثورة هادئة. كان بشير الجميل صلبًا في عقيدته وإيمانه ودفاعه عن لبنان حتى الاستشهاد، وكان البطريرك صفير صلبًا في عقيدته وإيمانه ودفاعه عن لبنان حتى الاستشهاد. خاض بشير الجميل معاركه من أجل حرية لبنان وسيادته واستقلاله، وخاض البطريرك صفير معاركه من أجل حرية لبنان وسيادته واستقلاله. أسس بشير الجميل مقاومة عسكرية وسياسية وكان حلمه بناء جمهورية قوية ووطن، وأسس البطريرك صفير مقاومة دينية مدنية سياسية وكان حلمه أيضًا استعادة الجمهورية القوية وبناء وطن. كان بشير الجميل واضحًا في سياسته ومواقفه وجريئاً لا يهاب الصعاب، وكان البطريرك صفير واضحًا في سياسته ومواقفه وجريئاً لا يهاب الصعاب.

كأن البطريرك صفير كان يحمل عبء القضية التي استشهد من أجلها بشير ورفاقه في المقاومة اللبنانية. في الزمن الصعب كان يقود هذه المقاومة التي أسسها بشير وكأنه نذر نفسه لكي يكمل المهمة ويحمل المشعل ويمضي. قال عن بشير الجميل إنه استشهد ولكن أحلامه الجميلة باقية، وهو كان يدرك أن هذه الأحلام مستمرة فيه ومعه، وأن من واجباته أن يعمل على تحقيقها.

قال عنه أيضًا إنه سطع نجمًا كبيرًا في سماء لبنان، وهو نفسه كان نجمًا كبيرًا سطع في سماء لبنان.

قال عنه أيضًا إن ذكراه ستبقى مشتعلة في الخواطر والضمائر وجوانب التاريخ، وهو نفسه ستبقى ذكراه مشتعلة في الخواطر والضمائر وجوانب التاريخ.

قال عنه أيضًا إنه كان على رأس رفاقه يسير على خط النار وغدا رمزًا للمقاومة اللبنانية، وهو نفسه كان على رأس رفاقه على خط النار وغدا رمزًا للمقاومة اللبنانية.

كان البطريرك صفير بسيطاً في ملبسه ومأكله وطريقة حياته وعفويًا في حديثه. وهو نفسه قال عن بشير الجميل إنه كان عفويًا في حديثه وبسيطاً في ملبسه يسكن في شقة في بناية.

لقد قُدِّر للبطريرك صفير أن يعرف بشير الجميل قبل استشهاده في العام 1982 وكان لا يزال مطراناً معاوناً في بكركي للبطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش. كان في سرِّه يدرك أهمية الدور الذي يلعبه بشير الجميل على رأس المقاومة اللبنانية. وكان يدرك أن خط النار الذي يقاتل عليه بشير مع رفاقه هو خط النار نفسه الذي يجمعه به في طريق المقاومة، وإن اختلفت الأساليب.

قُدِّر للبطريرك صفير، قبل أن يصير بطريركاً أن يعيش زمن بشير الجميل وأن يدرك أهمية الحرب التي يخوضها دفاعًا عن لبنان. ومن موقعه في قلب  بكركي كان له أن يشهد على محطات مفصلية من تلك العلاقة مع بشير. ربما من حظ لبنان واللبنانيين أن البطريرك صفير كان ملتزمًا تدوين يومياته ومشاهداته وتسجيل محاضر اللقاءات التي يعقدها سواء لوحده أو بمعية البطريرك خريش. كما كان بشير الجميل ضمير الجمهورية كان البطريرك صفير ضمير الجمهورية أيضًا.

عندما يكتب البطريرك صفير عن الرئيس بشير الجميل، فتلك ليست مهمة صعبة، فهو لا يحتاج الى عناء البحث عن صفات ينسبها الى الرجل، ذلك أنه يكتشف فيه تلقائيًا هذه الصفات ويعايشها ويعيشها معه عن كثب بالتجربة والخبرة والمعاناة نفسها. كأن ما كان يفعله بشير الجميل في خطه التاريخي العام، كان هو نفسه ما يرغب أن يقوم به البطريرك صفير، وهذا ما ظهر جليًا خصوصًا في معركة تحرير لبنان التي خاضها منذ العام 1986 بعد استلامه السدَّة البطريركية، وبعدما تحوّل من أمين سر هذه البطريركية الى سرّ قوة هذه البطريركية ودورها التاريخي.

لقد قدّر الله لـ»المطران» نصرالله صفير أن يكون شاهدًا على مرحلة صعود بشير الجميل الى رئاسة الجمهورية وبناء الحلم وعلى استشهاد بشير الجميل وانكسار الحلم. شاهدًا على نجمة سطعت في السماء وعلى نجمة هوت من السماء. ولكن ذلك «المطران» في سرّه كان يدرك مؤمناً بأن الحلم لن ينكسر وبأن ذكرى بشير ستبقى مشتعلة، وأنه كما كان في حياته سيبقى سراجًا منيرًا ستفتخر الأجيال الآتية بنوره، وهو وإن كان نورًا انطفأ إلا أنه سينبعث حيًا في الضمائر والتاريخ. وهكذا كان.

لم يكن المطران صفير ليسلم في ذلك العام عندما استشهد بشير الجميل أن قضيته ستنطفئ. كان مؤمناً أن هذه القضية ستبقى مشتعلة مع رفاق بشير الجميل ومع «القوات اللبنانية» التي قادها بعده سمير جعجع. ولم يكن يدرك ربما أنه بنفسه سيحمل هذا المشعل عندما ستحل سلطة عهد الوصاية حزب «القوات» وعندما ستزج رئيسه في السجن. ولأنه كان يحمل في قرارة نفسه وتفكيره ذلك النور، وجد نفسه في المكان الصح لمتابعة المسيرة.

لو لم يكتب «المطران» صفير عن بعض اللقاءات مع بشير الجميل لربما كانت تلك المحاضر ذهبت أدراج النسيان. كأنه أعطى لنفسه أن يكون كاتم أسرار الجمهورية، وليس كاتم أسرار بكركي وحدها. لذلك قدّر الله له أن يكون شاهدًا على لقاء سيد بكركي البطريرك خريش والرئيس الياس سركيس مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب في القصر الجمهوري في بعبدا في 23 حزيران 1982 عندما بدا واضحًا المسار الذي ستسلكه التطورات في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي، وصولاً الى تحريره من كل الجيوش الأجنبية، الأمر الذي سيكون في أساس الطريق الذي رسمه بشير الجميل لمهمته في رئاسة الجمهورية بعدما بات واضحًا أن الطريق باتت سالكة أمامه الى قصر بعبدا.

وقدِّر للمطران صفير أيضًا أن يدوِّن محضر اللقاء مع الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل في بكركي مع البطريرك خريش والسادة المطارنة ورؤساء الرهبانيات، وأن ينقل بعض ما دار فيه من أحاديث.

وقدّر الله له أن يرافق البطريرك خريش والمطارنة والرؤساء العامين لرد الزيارة الى الرئيس المنتخب في بيته في الأشرفية، وأن يدوِّن أيضًا بعض ما دار فيه.

وقدّر لله له أن يكون واقفاً في 15 أيلول 1982 ليلقي في بكفيا كلمة باسم البطريرك خريش في تشييع الرئيس الشهيد، وأن يكرر تلك الوقفة في الذكرى السنوية الأولى في 14 أيلول 1983 ليتحدث أيضًا عن القضية التي استشهد من أجلها بشير، مؤكدًا على قدسيتها ومعلناً أنها لن تموت ولن تنتهي.

وهي لن تنتهي.

حقاً قال البطريرك صفير.