الرئيسية » رصد » البنية التحتية للمقاومة على ضوء العاصفة نورما

البنية التحتية للمقاومة على ضوء العاصفة نورما

كتب حسن عباس : “لم تعد هناك بنية تحتية لتقصفها إسرائيل”. جملة كررها لبنانيون كثر في الساعات الماضية بصياغات مختلفة على فيسبوك وتويتر للتعبير عن سخريتهم مما لحق بالبنية التحتية اللبنانية من أضرار جراء العاصفة “نورما”.

تربط هذه السخرية بين الأضرار التي خلّفتها العاصفة وبين تهديدات إسرائيل المتكررة بتدمير البنية التحتية اللبنانية وبإعادة لبنان إلى العصر الحجري، بحال قام حزب الله بعمل حربي ضدها. اللبنانيون اكتشفوا أن عاصفة متوسطة القوة قادرة على إحداث أضرار مثل تلك التي تهدد إسرائيل بإحداثها!

بطبيعة الحال، كما في كل تعبير ساخر، لا بد من التضخيم. وفي تعبيرات اللبنانيين الساخرة الكثير من التضخيم بلا شك، خاصةً أن بعض الصور المرفقة مع التغريدات كانت أحياناً صورة للوحة إعلانية هوت على سيارات مركونة تحتها أو لطريق جبلي تضرر بفعل انهيار التربة، وهذا أمر طبيعي إلى حد بعيد.

ولكن في الكتابات المذكورة أيضاً إضاءة على الفساد الذي ينخر جسد الدولة اللبنانية والذي يظهر بشكل جلي كلما أمطرت بغزارة، في مؤشر واضح على خلل يعتري أعمال متعهّدي مشاريع البنى التحتية في بلد لم يعد يستغرب أبناؤه أن يغرقوا على طرقاته كل شتاء، وكأن بنيته التحتية مصممة لبلد صحراوي لا يعرف المطر!

يعيد انتشار السخرية مما حصل النقاش حول قضايا كثيرة لها علاقة بأولويات الدولة التي تتبنى خيار “المقاومة”، وهو التعبير الذي يستخدمه وزير خارجيتها وكثيرون من مسؤوليها كمرادف لـ”المواجهة” لأنه يحمل إيقاعاً أقوى على الجمهور.

فهل سياسات السلطة اللبنانية مناسبة لاستراتيجية المواجهة أو “المقاومة”؟

عندما أعلن الجيش الإسرائيلي فجر الرابع من ديسمبر عن عملية “درع الشمال” الهادفة إلى تدمير “أنفاق حزب الله”، أمر رئيس بلدية صفد بـ”فحص جاهزية الملاجئ العمومية التابعة لبلديته”، رغم عدم وجود أي تحذير رسمي من خطر على مستوطني شمال إسرائيل.

أما أبناء جنوب لبنان، فاكتفوا بحماية القدر وبجولة قام بها وزير الخارجية اللبنانية على الحدود بعد 12 يوماً من بدء العملية الإسرائيلية، وبصورة له وهو يحمل منظاراً عسكرياً نشرها بنفسه مع مجموعة صور تحت تغريدة جاء فيها أن “لبنان محمي بجيشه وبمقاومته، والأهم أنه محمي بتنوعه وتعدديته اللذين يهزمان أحادية وعنصرية إسرائيل”.

لبنان يريد أن يقاوم بدون أن يبني بنية تحتية للمقاومة. خطر اندلاع حرب بينه وبين إسرائيل قائم في كل لحظة ولكن لا وجود لأي ملجأ مخصص للمدنيين ولا وجود لخطة رسمية لإجلاء أبناء الجنوب بحال تعرّضوا للخطر ولا حتى لخطة لإيوائهم في مناطق آمنة بحال نجحوا في تدبير أمورهم بأنفسهم والفرار من القصف.

هناك “بنية تحتية للمقاومة” بمفهوم آخر تماماً هو مفهوم جمع حزب الله ترسانة صواريخ وبنائه أنفاقاً ومراكز عسكرية محصّنة لمقاتليه، ولكن في ما خص المدنيين: لا شيء. هم ضيوف غير مرغوب فيهم ولا أهمية لما يصيبهم بحال اندلعت حرب، إذ افترضنا حسن النية. وهم أشخاص يجب أن يتأذوا من الأعمال الحربية كجزء من “خطط المواجهة” لكي يطالب المجتمع الدولي بوقف الحرب، إذا افترضنا سوء النية.

لبنان يريد أن يقاوم ولكنّ سياسييه لا يريدون وقف الهدر والفساد ولا إيجاد حلول تمنع الانهيار الاقتصادي الذي تحذّر منه جهات كثيرة ترى أنه صار وشيكاً، رغم أن أي انهيار لقيمة العملة اللبنانية النووية سيحدث آثاراً على حياة الناس قد تعادل آثار قنبلة نووية.

لبنان يريد أن يقاوم ولكن رغم مرور أكثر من 18 سنة على استعادة جنوبه من إسرائيل، لم تتبنَّ الدولة سياسة تنموية تعيد أبناءه الذين نزحوا منه إليه، وتشجّع المقيمين فيه على البقاء في أرضهم، ولا يزال منطقة تطرد سكّانها إلى العاصمة وضواحيها التي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من الناس.

 

هناك حاجة لمواجهة إسرائيل في دولة لا يزال جزءٌ من أرضها (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا) محتلاً ولا تزال أجواؤها تشهد يومياً خروقات جوية للطائرات الإسرائيلية ولكن هناك حاجة لنقاش الأولويات.

من غير الممكن أن يواجه لبنان إسرائيل بمنظومة مهترئة تحمل في نفسها كل عناصر تدميرها ذاتياً، بدون أي تدخّل خارجي. قبل مقاومة العدوّ تنبغي تهيئة الظروف لعيش المواطنين عيشاً كريماً ولعدم هدر موارد الدولة على مشاريع تكلف عشرات ملايين الدولارات ويجرفها سيل بسيط لأمطار الشتاء.

هذا شرط للمقاومة، لأن أساس فكرة المقاومة هو محاربة المحتل الذي يسيء إلى الناس وكراماتهم وينهب مواردهم ويسخّرها في غير صالحهم. فإذا توفّرت في “دولة المقاومة” كل سيئات الاحتلال، ماذا يبقى من مفهوم المقاومة؟