الرئيسية » رصد » نبيه بري في استواء تجارب العمر

نبيه بري في استواء تجارب العمر

كتب قاسم يوسف : لا يمكن لأي مراقب إلا أن يتوقف طويلاً أمام الكلام الاستثنائي الذي أطلقه علي حسن خليل في إطلالته المثيرة مع مرسال غانم. لزوم هذه الوقفة تستند إلى مؤشرات انعطافة بدأها نبيه بري قبل سنوات، وهي انعطافة أخيرة أراد عبرها الرجل أن يُسجّل حضوره الرشيق في الجانب المُشرّف من التاريخ على عتبة شتاء العمر، أو في استواء تجاربه.

شكلت الأزمة السورية بعد عسكرتها وتدويلها المفترق الأول في تشذيب تموضعه الشخصي والسياسي، لا سيما عقب دخول إيران وحزب الله على خط النزاع المسلّح. وقد بدا نبيه بري مذآك صائمًا عن إطلاق المواقف المؤيدة أو الحادة، إلا ضمن عموميات مُموهة وحمّالة أوجه، ناهيك عن رفضه ممارسة أي نشاط عسكري داخل الجغرافيا السورية، على سجية مروحة كبيرة من الأحزاب والحركات الحليفة التي اندفعت بقدها وقديدها إلى دمشق. وقد طاله في هذا نقدٌ لاذع، لامس حدود الرسائل التي حُملت اليه مباشرة أو مُواربة عبر شخصيات وصحف وقنوات محسوبة على النظام.

المفترق الثاني فرضته الانتخابات النيابية الأخيرة، حيث أظهرت النتائج والأرقام أن العصب الشعبي الغليظ الذي أمسكه نبيه بري منفردًا على مدى ثلاثة عقود راح يذوب ويترنح داخل امبراطورية حزب الله، وقد تبيّن أن الحواصل الوازنة التي حصدتها اللوائح المشتركة، وحسمت بالتالي فوزها، جيّرها الحزب وحده، فيما لم يتجاوز غالبية مرشحيّ حركة أمل عتبة الحاصل الانتخابي. هذا ما انطبق تمامًا في بيروت وبعبدا وفي مرجعيون وبنت جبيل والنبطية وصولاً إلى البقاع.

المفترق الأول يعني في مضامينه السياسية العميقة سقوط المعادلة الدقيقة التي أرساها حافظ الأسد في التوازن مع إيران، حيث كانت حركة أمل جزءًا لا يتجزأ من معالمها الأساسية على مستوى الساحة الداخلية، لكنها، وبعد أن اختلّت عقب خروج سوريا من لبنان، عادت وسقطت أمام المد الإيراني الذي حوّل النظام برمته من ضابط إيقاع إلى مجرد أداة لخدمة مشروعه. أما تداعيات المفترق الثاني، وهي معطوفة بطبيعة الحال على رغبة واضحة بعدم التوريث، فتُظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن حركة أمل مع نبيه بري لا تُشبهها بعده، لا سيما مع تقلّص دورها السياسي وحضورها الشعبي، فضلاً عن انهيار حضنها الإقليمي.

في ضوء هذه القراءة، يبدو نبيه بري مُتفهمًا ومتصالحًا مع الواقع، وقد أراد بناءً عليه أن يُسجّل سلسلة من المواقف الواضحة إزاء مجموعة من الملفات التي تتخذ طابعًا حساسًا، غير آبهٍ لتداعياتها الآنية أو المستقبلية، تمامًا كما لو أنه يتلو وصية الوداع. استهل التلاوة بموقف قاطع من قضية هنيبعل القذافي، حيث رفض الرضوخ لموجة عنيفة من الضغوط التي مارسها النظام السوري ومن خلفه روسيا لإطلاق سراحه. ثم ألحقه بزيارة لافتة ومباغته إلى النجف وإلى منزل كبيرها، مع ما يعنيه ذلك من رسالة سياسية وشخصية بالغة الأثر، لكنها ستظل على شاكلة صورة يتيمة تنام في صفحات التاريخ، بلا أي خطوات عملية أو مفاعيل مباشرة.

على سجية هذا التمايز، بدا نبيه بري أمس، على لسان وزيره وظله، وكأنه يستدرك واجبه الأساس في استكمال ثورة الجياع وحركة المحرومين ورسالة الإمام المغيّب. وبدا أيضًا أن المعادلات الكثيرة التي حالت دون استكمال هذا الواجب منذ تسعينيات القرن الماضي لا تزال قائمة إلى اليوم. الفارق أنه كان أحد أضلعها التي انكسرت، وبات عليه أن يودعها كما استقبلته. ثائرًا على درب ثورة مستحيلة.