الرئيسية » رصد » كرز زحلة في ورطة.. التهريب يخنق المزارعين

كرز زحلة في ورطة.. التهريب يخنق المزارعين

كتبت لوسي بارسخيان :  “كرز” زحلة ضحية أخرى من ضحايا “فلتان” الحدود البرية. وما نجا من إنتاجه بعد خسائر الظواهر المناخية غير الاعتيادية، التي طرأت في فترة الإثمار، لا يبدو أنه قادر على مواجهة “المضاربة غير المشروعة” للإنتاج المهرب، الذي بدأ يغزو الأسواق بدءاً من صباح الإثنين، حين فوجئ المزارعون كما يؤكدون، بدلع التجار على “قطاف اليوم”، وتحكموا بسعر مبيعه، بعدما أغرقوا محلاتهم بإنتاج مهرب، بيع بأدنى من كلفة إنتاج الكرز الزحلاوي.

ثمرة قصيرة العمر
عمليا يشكل إنتاج زحلة، ولا سيما في منطقتي قاع الريم ووادي العرائش، ثلثي حجم الإنتاج العام في لبنان، حيث يعتاش من هذه الزراعة معظم أهالي البلدتين. وتتفاوت كمياته سنويا، وفقاً للعوامل المناخية، التي لم تكن مؤاتية هذه السنة، فهبطت حمولة الأشجار إلى ما دون نصف الكمية. وفيما كانوا يعولون على نوعية الإنتاج “الممتازة” لتحقيق أرباح معقولة، تسمح بصمودهم إلى الموسم المقبل، جاء الإنتاج المهرب ليقضي على هذا الأمل.

هذه المشكلة مرشحة لأن تتفاقم في الأيام المقبلة، خصوصاً أن الكرز “ثمرة” قصيرة العمر، وقد حكمت عليها أيضا الظروف المناخية هذه السنة سرعة قطفها، خوفاً من أن تفسد على أشجارها، وهو ما سيفاقم من الخلل في ميزان العرض والطلب بالسوق، المشرع على الإنتاج المهرب أصلاً.

هذا الواقع الذي استفاق عليه المزارعون صباح الإثنين، كان دافعهم إلى الاستنجاد بوزارة الزراعة، التي كان مديرها العام لويس لحود يشرف في مصلحة الزراعة في زحلة على التحضيرات الجارية لـ”يوم العرق”، الذي سينظم في المدينة.

الخطة السريعة
برفقة النائب جورج عقيص، توجه المزارعون إلى مصلحة الزراعة، ينشدون التدخل السريع لضبط مسألة التهريب. وقبل أن يستمع لحود إلى مشكلة المزارعين، بدا عالماً بتفاصيلها، هي نفسها التفاصيل التي تضرب موسم خضار هنا، لتنتقل إلى موسم فاكهة هناك، وأدوية زراعية في مكان آخر. وحتى لا يقف عاجزاً كليا أمام إنتاج وصفه بالممتاز، عندما نظر إلى “صندوق كرز” أحضره معهم المزارعون إلى الوزارة، اقترح خطة عمل مرحلية سريعة، تقضي بتدخل وزارة الزراعة فوراً عند التبليغ عن أي كميات مهربة من الكرز في الأسواق، خصوصاً أن صلاحيات وزارة الزراعة كما شرح للمزارعين محصورة في إطار الحدود الشرعية، فيما المعضلة الأكبر تكمن عند معابر التهريب غير الشرعية.

إلا أن التحرك السريع الذي بدأ به لحود باتجاه تأليف لجنة مشتركة بين وزارة الزراعة والمزارعين، وتضم أيضاً ممثل عن بلدية زحلة، “لترصد المهربين على الطرقات وفي الأسواق وعلى المعابر” شكل من جهة ثانية إعترافاً ضمنياً بعجز الدولة وأجهزتها عن القيام بمسؤوليتها.

ستكون مهمة اللجنة كما شرح لحود “التبليغ عن أي كميات كرز مشبوهة، إلى كل من النيابة العامة الاستئنافية في البقاع، ومديرية أمن الدولة”، التي أجرى لحود اتصالات بالقيمين عليهما، مناشدا إياهما التدخل الفوري عند تلقي أي شكوى من هذه اللجنة.

“بوليس الكرز”
عملياً إذاً، مطلوب من هذه اللجنة أن تقوم بدور “بوليس الكرز” كما وصفتها إحدى الزميلات، في وقت تقف “الدولة بأسرها عاجزة أمام مافيا المهربين ومحمياتهم، التي تتحكم بميناء جاف، تدخل منه جميع أنواع البضائع من دون لا حسيب ولا رقيب”.

برأي النائب جورج عقيص، فإن قرار وقف التهريب سياسي قبل أن يكون أمنياً، معتبراً أننا أمام مافيا تهريب، لها شبكة متينة بالتهريب الزراعي وغير الزراعي، داعياً إلى تفكيك هذه المافيات، ورفع الحصانة عنها، لأن هناك ناس يجوعون، بسبب حماية متوفرة لقلة قليلة من التجار، ليس لها ضمير، تغرق الأسواق ببضاعة مهربة في مواسمها، نتيجة لجشعها وللحماية السياسية.

ولأن عقيص كان قد تحدث قبل الاجتماع مع المعنيين في جهاز الجمارك أيضاً، فقد ناشد وزارة المالية كي تزيد عديد الجمارك في منطقة البقاع، حيث الجزء الأكبر من المعابر غير الشرعية للبضائع المهربة. قائلا “لا يمكن لآليتين فقط مخصصتان للمنطقة و20 عنصراً أن يراقبوا ما يزيد على 120 معبراً غير شرعي في المنطقة”.. مذكراً باقتراح القانون الذي تقدم به من أجل مكافحة ظاهرة التهريب، والذي أُقر في لجنة الزراعة بجلسة واحدة، آملا من رئيس مجلس النواب “أن يضعه على جدول أعمال أول جلسة عامة للمجلس، فور إقرار الموازنة، وأن نسعى لتحقيقه لدى المحاكم التي عليها أن تصدر الأحكام المشددة بحق المهربين”.

المراقبة والترصد
ولكن إلى أن يُتخذ هذا القرار السياسي، سيكون موسم زراعي آخر قد ضاع. ولذلك، وجد مزارعو الكرز أنفسهم مكرهين على تحمل مسؤولية مضافة إلى مسؤولية الحرص على إنتاجهم، وهي “السهر” على حمايته من مضاربة المهرّب، وذلك بأن يكون كل مواطن خفيراً، كما اقترح لحود، داعياً البلديات أيضا للمشاركة بمسؤولية المراقبة والترصد عبر شرطتها البلدية، متحدثاً عن مسؤولية التجار الذين يشترون البضاعة المهربة أيضاً، والذين لا يجب إعفاءهم من المحاسبة.

قد يشكل الاقتراح “نموذجاً جديداً للتعاون في سبيل المصلحة العامة” كما ذُكر في الاجتماع، ولكنه أيضاً يعتبر سيفاً ذا حدين، لأنه قد يستدرج المرتكب والمتضرر إلى مواجهات، وكل ذلك بحجة ضعف الإمكانيات اللوجستية التي تتذرع بها الأجهزة المعنية، وأولها جهاز الجمارك، للتنصل من مسؤولياته. ومع ذلك يقول عقيص “رب ضارة نافعة، وإذا كانت الدولة عاجزة حتى الآن فلنساعدها إلى أن يقوى عملها وتمسك زمام الأمور بيدها”.