الرئيسية » أخبار مهمة » الأزمة الأميركية – الإيرانية : واحد لطهران – صفر لواشنطن

الأزمة الأميركية – الإيرانية : واحد لطهران – صفر لواشنطن

كتب سامي كليب 

مع انتهاء قضية ناقلة النفط الايرانية في مضيق جبل طارق بما يرضي طهران، يكون المرشد السيد علي خامنئي حقق إنجازا إضافيا في سجل علاقاته مع الغرب وكرّس صورة بلاد لا تتنازل مهما ارتفعت الضغوط. فلماذا تنجح طهران ويفشل العرب؟ 

ثمة قاسم مشترك يجمع بين إيران والرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الرغبة الدائمة بالتفاوض مع الحصول على الثمار ومن موقع القوة. كل منهما يستخدم كل أوراق القوة بين يديه بغية رفع قيمة المكاسب التفاوضية، ومن المرجّح أن يُقدم الجانبان على استئناف الحوار في حال تأكُّد اتجاه ترامب للفوز بولاية ثانية في بلاده، فمصالحهما المشتركة تقتضي ذلك، وبراغماتية طهران والميول التجارية عند ترامب تفترض ذلك رغم كل الضجيج الذي نسمعه حاليا، ورغم السطوة الكبيرة لإسرائيل والانجيلييين الجدد على أبرز مفاتيح القرار الأميركي وصعوبة قبولهم بنجاح إيران.

ثمة قاسم مشترك أيضا يَجمَعُ بين الطرفين الأميركي والإيراني، هو هزال المنظومة الرسمية العربية. فترامب يحقق إنجازات مالية هائلة من الصناديق العربية بذريعة التخويف من إيران وحماية الانظمة العربية القريبة من أميركا، وإيران تتمدد وترسّخ دورها في دول عربية مركزية، عبر دعمها المباشر لأطراف استطاعت بفضل هذا الدعم الايراني قلب الموازنات وفرض نفسها كقوى أساسية في المعادلات المحلية والإقليمية.

لماذا نجحت إيران عربيا ودولياً؟

• مع تخلي جزء كبير من النظام الرسمي العربي عن فلسطين، نجحت إيران في مخاطبة العقل الجمعي العربي عبر دعمها المباشر لفصائل وأحزاب وتنظيمات تقاتل إسرائيل، بغض النظر عن مذهب المقاتلين والمقاومين من فلسطين الى لبنان. هي بذلك بقيت أقرب الى الرأي العام العربي الذي لا تزال قلوب الكثير منه تنبض على النبض الفلسطيني واللبناني المقاومين. وجاءت صفقة القرن، لتزيد الهزال الرسمي العربي وتضاعف الحضور الايراني

• منذ وصول ترامب الى السلطة، تكاد العلاقة الرسمية العربية معه تنحصر في صورة جابي الضرائب والخوّات ودافعيها. فالرجل يقول صراحة سآخذ مالكم، ويأخذه دون أن يقدم شيئا بالمقابل، لا بل هو يزيد الاذلال العربي بخطوات سياسية لم يجرؤ أي رئيس أميركي قبله على القيام بها مثل تسليم القدس لإسرائيل والاعلان عن السيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل وقريبا تشريع الاحتلال للضفة الغربية وإلغاء حق العودة وقتل الاونروا …الخ. بينما يتعامل ترامب نفسه مع إيران بندّية واضحة، بحيث يفرض عليها عقوبات ثم يقترح مفاوضات، ويهدد ثم يتراجع، ثم يطلب مفاوضات، ويأتيه الجواب في معظم الأحوال محفوفا بالعنفوان:” لن نفاوضك قبل ان ترفع العقوبات”. ثمة مسألة كرامة في التعامل الدولي، تضاعفت في الجانب الايراني وانزلقت الى الحضيض في الجانب العربي.

• سبقت ايران العرب منذ سنوات بنسج علاقات استراتيجية (وليس فقط تجارية) مع المنظومة العالمية الأخرى أي الصين وروسيا والهند وباكستان وأفغانستان وغيرها، ودخلت في تجمعات استراتيجية كبيرة مثل شنغهاي والدول المشاطئة لبحر قزوين والمناطق الاستراتيجية في آسيا والقوقاز، فضمنت لنفسها درعا دوليا مهما، وتخطت بذلك شعارها التاريخي منذ قيام الثورة الإسلامية، أي لا شرق ولا غرب. اما النظام العربي ورغم انفتاحه على هذه الدول أيضا ورفع مستوى التبادل التجاري الا أنه لا يزال منخرطا بنسبة هائلة مع المنظومة الأطلسية في ماله وسياسته وأمنه وغير مقتنع بثنائية او تعددية الأقطاب.

• أفادت إيران كثيرا من الصراعات العربية، فعرفت كيف تنسج علاقات حتى داخل المنظومات العربية التي يُفترض أن تكون موحدة، فاذا بها توسع علاقاتها التجارية والسياسية والغازية مع قطر في قلب مجلس التعاون الخليجي، وتعزّز تحالفها مع سلطنة عمان، وتغازل الكويت، وتستعيد لغة التقارب مع الامارات التي فيها نحو ٥٥٠ الف ايراني واكثر من ٨٠٠ شركة إيرانية ونحو ٣٣٠ مليار دولار استثمارات إيرانية رغم ان أبو ظبي لا تزال تتهم الامارات باحتلال ٣ جزر، ورغم تناقضهما الكبير بشأن اليمن في خلال السنوات الخمس الماضية.

• طورت إيران على نحو كبير قدراتها العسكرية، ولكن أيضا قدراتها في مجال الأمن الالكتروني، وتفوقت على كل العرب في مجال الإنتاج العلمي والدخول الى منتدى الدول النووية والدول ذات التفوق التكنولوجي خصوصا مع تطويرها الكبير لتكنولوجيا النانو. صارت مع هذا التفوق تستطيع أن تهدد بإغلاق مضيق هرمز أو برد الصاع صاعين لإسرائيل وأي دولة تعاديها، بينما السلاح العربي الذي ازداد اضعافا مضاعفة في خلال ما سمي ب ” الربيع العربي” اما يصدأ في المستودعات او يستخدم للاقتتال العربي والفتن.

• رغم كل التهييج الدعائي الإسرائيلي واللوبيات المرتبطة بإسرائيل وبدول معادية لإيران في الغرب، الا ان صورة طهران في العالم بقيت أفضل من صورة خصومها، فنرى ارتفاع منسوب مقاطعة إسرائيل في الغرب، ومطالبات بحجب السلاح عن السعودية، وعرائض لمعاقبة قتلة الصحافي السعودي جمال الخاشقجي، ووقف حرب اليمن التي وصفتها الامم المتحدة بانها ” أسوأ كارثة إنسانية ” في هذا القرن.

• فيما تتوجه حرب اليمن الى الانتهاء بنتائج أفادت كثيرا حلفاء إيران الحوثيين الذين أعلنوا مؤخرا الولاء العلني لولاية الفقيه، وأضعفت كثيرا الدور السعودي في اليمن، ودفعت الامارات للمباشرة بالانسحاب والتفاوض مع ايران، فان طهران تكون استكملت مربّع إنجازاتها في اليمن والعراق وسوريا (خصوصا سوريا) ولبنان (حيث حزب الله صار الممر الالزامي لكل قرار) .

• مع تنافر عدد من الدول العربية وفي مقدمها السعودية ومصر وسوريا نفسها مع تركيا والاخوان المسلمين (الذين لا تزال لهم شبكة واسعة نائمة في الداخل العربي والعالم)، فان إيران لم تقطع أبدا مع الطرفين فطورت جدا علاقاتها مع تركيا وتستعيد على نحو واسع العلاقات مع الاخوان، وقد بدا ذلك جلياً مع الانعطافة العلنية لحركة حماس صوب طهران والمديح الكبير الذي أدلى به قادة حماس للدور الايراني.

 

هل نسأل بعد لماذا نجحت إيران وفشل خصومها العرب. هذه دولة حصّنت نفسها، وطوّرت قدراتها، واحترمت كرامتها، فصارت قادرة على القتال أو التفاوض من مستوى الند للند. وأنا كعربي كنت وما زلت أتمنى أن تكون دولة عربية بهذا المستوى، لكن للأسف فنحن لاهون بالفتن والاقتتال والتآمر وتجميل ” مؤامرة العصر”، والسؤال المركزي، ماذا سيفعل خصوم ايران لو قرر ترامب الانخراط فعليا في مفاوضات جدية مع القيادة الايرانية؟؟