الرئيسية » رصد » انتحال صفة “رجل دين” ! – بتول عبدالله

انتحال صفة “رجل دين” ! – بتول عبدالله

 

دائما ما تكون صفة القدسية، ونشر التعاليم الدينية، وممارسة الشعائر المقدسة لصيقة برجال الدين. إنها في آخر المطاف دعوة إلى المحبة والتسامح والرحمة بين البشر.

ومن هذا المنطلق ، يجب على رجال الدين أن يكونوا خير قدوة لمن يتبعهم؛ كونهم رموزا، والرمز لا بد أن يكون له جمهوره. فماذا عن انخراط رجال الدين في السياسة؟ وماذا عن استغلال الزي الديني لتحقيق المصالح الشخصية؟

وهنا نأسف لتورط بعض أصحاب العمامة بالعمالة والطعن في ظهر الوطن. يستغل هؤلاء حصانتهم ليلعبوا على عشب “اللعبة السياسية ” المليئ بأشواك الفتن والحرب النفسية.ولا يتعرضوا للمحاسبة والملاحقة إلا بعد فوات الأوان.

في الوقت الحاضر، أضحت مشاركة رجال الدين في السياسة مثار جدل في الشارع العربي عموماً واللبناني خصوصاً. إنّ هذه المشاركة تُسهم في انقسامه، كونها تفرّق الناس بين جهات متناحرةلا يعني ذلك ان يكون رجل الدين خلواً من السياسة او الموقف وحتى الانتماء السياسي. لكن المطلوب منه ان يكون ذو قيم تحكم سلوكه وكلامهيتقمص البعض دور رجل الدين، ويحولون المساجد الى مكاتب سياسية او مخازن اسلحة ومقتنيات عسكرية. ذلك ما فعله إمام مسجد بلال بن رباح في صيدا “سابقا” المدعو احمد الأسير. بدأ الأسير كحركة صغيرة؛ حجمها ما كان ليتجاوز الخيمة أو الخيمتين في كورنيش صيدا؛ لولا تقاعس الدولة وجبنها عن اتخاذ القرار المناسب في وقته المناسب.

عُرف أحمد الاسير بدعمه للإرهاب في سوريا وبُغضه لأحزاب مقاوِمة تدافع عن أرضها. مدّعيا حرصه على دولة المؤسسات. استغل الأسير لقب “الشيخ” لحشد عدد كبير من الناس في بيت الله، ونَشَرَ خطاباته التحريضية التي تؤجج النعرات الطائفيةتلقى “الشيخ” دعماً مالياً ولوجستياً ممن رأوا فيه موهبةً تستطيع تحقير قيادات المقاومة، والتصعيد بوجه خطاباتهم. نجح الأسير في تأجيج الأوضاع في صيدا، وشلّ حركتها إلى أن قالت معركة عبرا كلمتها الاخيرة، حين سحق الجيش اللبناني الاسير ومن معه، وسقط عنه بذلك لقب “الشيخ” وبات “مجرم فار من العدالة“.

أدّت الذهنية التخاذلية للسلطة اللبنانية إضافة إلى عدم إدراكها لمخاطر ظاهرة الاسير قبل تفاقمها، إلى انتقال هذه الظاهرة من صيدا الى طرابلس فعرسال وغيرها. قام الداعية الشهال بالتطاول على الدولة وتحدي الجيش واحتقار القضاء، ووقف لقب “الداعية” عائقاً بوجه السلطات اللبنانية للحد من دعواته التكفيرية المثيرة للفتنةوفي الإطار عينه، نجد مصطفى الحجيري المعروف ب “أبو طاقية” الذي أضحى في غضون اشهر قليلة “رجلاً وطنياً” بعد ان كان “مطلوباً للعدالة”. ادّعى الرجل العمل على حل قضية العسكريين المخطوفين لدى الجماعات الارهابية في عرسال. ظلّت ماهيّة علاقة الحجيري “الملتبسة” مع الدولة من جهة ، وعلاقته الحميمة بجبهة النصرة من جهة اخرى، لغزا حيّر الكثيرين حتى تبيّن أنه متهمٌ ومطلوبٌ للقضاء العسكري بجرم الانتماء إلى تنظيم إرهابي.

هنا  تطرح أسئلة أساسية نفسها، بِدأً بمعايير تعيين رجل الدين أو إقالته ، ونزع العمامة عن رأسه، وصولاً إلى أسباب انتشار ظاهرة منتحل صفة “رجل دين” وكيفية الحد منها. “في الواقع إن موضوع تنصيب رجل الدين وإقالته هو موضوع شائك ولا أسس محددة له. هناك جزء من رجال الدين هم موظفون في دائرة الاوقاف ، القضاء ودار الفتوى، و يخضعون لقانون معين ولهم مرجعياتهم.” يقول الشيخ ماهر حمود (إمام مسجد القدس في صيدا). ويضيف: ” أصبح هناك مساجد ومجمعات خاصة تتلقى دعماً خارجياً ترتبط بالسعودية او غيرها، وليست خاضعة لجهاز رسمي. كما أن هناك جهات شعبية خاضعة لوقف شعبي، جمعيات أو أحزاب، وهؤلاء لهم طريقتهم في العمل من دون معايير محددة، الأمر الذي يشكل صعوبة في تعيين أو إقالة أحد رجال الدين لديها.”

ويستكمل تعليقه قائلا: ” إن الرأي العام له دوره ولو كانت غالبيته من غير المتدينين. وبالنهاية الرأي العام إما يدعم هذا الشيخ او يزيل عنه هذه الصفة. ولا بد من آلية معينة، نفتقدها في الوقت الراهن، ترتكز على تطوير الأجهزة الرسمية الموكلة بهذا الأمر ويجب ألاّ تكون منحازة وموقفها خاضع لاجتهاد اسلامي غير مقرون بمعايير سياسية. وبالتالي الرأي العام هو المقياس.”

عندما يرتكب رجل الدين مخالفات قانونية يجب أن تزال عنه هذه الصفة. في عصرنا هذا، نحمّل المسؤولية بشكل رئيسي لإخواننا في السعودية الذين يطلبون من الشباب الذين يتعلمون في حوزاتهم أن يجتهدوا دون العودة الى الفقهاء التقليديين، معتبرينه تحديثاً في الدين، ولكنه كان ضربة قوية له، لأن كل رجل يقرأ بعض الأحاديث والآيات يعتبر نفسه مفتي ويتطاول على العلماء الكبار. وهذه الفكرة الوهابية  تمثلت في طرح فتاوى تحقق المصالح الخاصة.” يختتم الشيخ ماهر حمود حديثه.

لا يحتاج الأمر في بعض الأحيان إلا إلى صوت مرتفع وعمامة ولحية كثّة. فالمتطوعون كثر، وسيندفعون لوراثة مال وسلاح سلفهم. وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، ولن تندثر في بلد يعصف به الارهاب، وتحكمه أطراف خارجية على حلبة المصارعة الداخلية.