الرئيسية » منوعات » مشاهير الفن » فيلم “حلب :صمت الحرب” .. شريط للإيراني أوسانلو عن مدينة غيرت ملامحها الحرب

فيلم “حلب :صمت الحرب” .. شريط للإيراني أوسانلو عن مدينة غيرت ملامحها الحرب

كتبت سحر غدار 

يجسّد المخرج الإيراني أمير أوسانلو في فيلمه “حلب: صمت الحرب” مقولة أن الصمت أبلغ من الكلام أحياناً. على مدى نحو نصف ساعة، يأخذنا أوسانلو في جولة داخل مدينة حلب السورية، التي أنهكتها وأثقلت كاهلها حرب دامت سنوات عديدة، وغيّرت معالمها، مثلها مثل معظم المدن السورية، مكتفياً بعرض لقطات قاسية لأماكن مختلفة تعكس الدمار الذي خلّفته الحرب، كما واقعها المؤلم والمرير، دون تعليق صوتي ولا موسيقى تصويرية، ومخيّراً ترك المشاهد يسمع الأصوات الصادرة من تلك الأماكن.

يُوثّق أوسانلو في فيلمه الدمار الذي لحق بمدينة حلب، عبر عرض لقطات يُرافقها الصوت الصادر من الأماكن المأخوذة منها. هو، غالباً، عمد إلى عدم إرفاق تعليق صوتي ولا موسيقى تصويرية مع اللقطات المعروضة، واكتفى بالصوت الحقيقي الصادر منها، بهدف جعل المشاهد يذهب معه إلى حلب، وكأنه يقف إلى جانبه خلف عدسة الكاميرا. نجح أوسانلو في تحقيق مبتغاه، فمن يشاهد الفيلم، يُدرك أن لا حاجة لشخص يُخبره الحكاية، ولا لموسيقى تصويرية مؤثرة كذلك.

اللقطات “الصامتة” تروي قصة الأماكن كاملة بكافة تفاصيلها، وهي أصدق من أي كلام قد يُضاف. لقطات تعكس فظاعة ما خلّفته الحرب، وكيف مزقّت واحدة من أكثر مدن العالم عراقة وأقدمها وأجملها، وكيف جعلت أحياءها مهجورة وفارغة وخالية، فبدت المدينة “الشهباء” في الفيلم كأنها غير قادرة على نفض غبار الحرب عنها. الخراب كان بطل فيلم أوسانلو، فلا وجوه ولا أشخاص، بل لقطات لأبنية مدمّرة بشكل شبه كامل، وأخرى تحوّلت إلى متاريس استخدمها محاربون لا يتقنون سوى لغة الموت، ولقطات لطرقات وسيارات ومنازل وسكك حديدية وطائرات، وغيرها، ووحده الخراب القاسم المشترك بينها.

أما خيار أوسانلو باعتماد الأصوات الحقيقية الصادرة من الأماكن حيث تمّ التصوير، بدلاً من تعليق صوتي أو موسيقى تصويرية، فكان موفقاً وذكياً. فصوت بعض الطيور أحياناً، وصوت الريح أحياناً أخرى، وصوت ثُريا صامدة في أحد المنازل، وغيرها من الأصوات، تتلاءم كثيراً مع طبيعة الفيلم، وتخرق الصمت الموجود، في ظل غياب أصوات “زمور” السيارات وصراخ الأطفال، وغيرها من الاصوات التي تُميّز المدن الكبيرة عادة. هي تبدو كأنها موسيقى تتناغم مع واقع الخراب القائم، وتبدو كأنها أيضاً تخبرنا بأن لا حياة في هذه الأماكن المهجورة، وتجعل المشاهد يعيش أجواء مدينة أقرب للأشباح منها إلى البشر بشكل أكثر قرباً وبطريقة واقعية أكثر.

باختصار، تمكّن أوسانلو أن يوصل رسالته من فيلم “حلب: صمت الحرب” بإتقان وإجادة. فاللقطات المعروضة كفيلة بجعلنا نتخيّل قساوة الحرب التي عصفت بالمدينة، والأصوات المرافقة لها تعكس غياب كل ما هو بشريّ، وغرق المدينة، التي سُلبت منها روحها وقُبضت على حياتها، في صمت عميق بعد انتهاء الحرب، لكنه صمت هشّ لا يعني بداية السلام ولا حتى انتهاء الحرب.