صار اسم مصرف لبنان مرادفاً للفساد في لبنان. ثمة يقين لدى كثر في الحراك الشعبي المستمر منذ أسبوعين أن المصرف المركزي هو الصورة الأسوأ للنظام اللبناني، القائم على حماية طبقة رجال الأعمال والمصرفيين، على حساب أبناء الطبقات الدنيا.
لكن ذلك اتهام يرفضه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. يعتقد أنه يتعرّض لحملة تشهير غير مبررة تستهدف تحميله مسؤولية الفساد القائم في الدولة، فيما هو يصل الليل بالنهار لتثبيت سعر الليرة وتأمين حاجة السوق من العملة الصعبة والحفاظ على أموال المودعين، على ما أعلن أمس (حبّذا لو يعلن كم يبلغ الاحتياطي الصافي ليتبين الناس إذا كان يحافظ فعلاً على ودائعهم).

أمس، «بق» سلامة البحصة وأخبرنا أن الحراك إذا استمر سيؤدي إلى الانهيار، مبدياً ثقته، في الوقت نفسه، أنه يمكن تفادي هذا الانهيار. وهو بذلك، إنما يقلب، بشكل كامل، العلاقة السببية بين انتفاضة الناس والانهيار. فهل الانتفاضة هي ما سيؤدي إلى الانهيار، أم أن الانهيار الذي سبّبته السياسات الحكومية المتعاقبة، وسلامة الثابت الوحيد فيها على مدى ثلاثين عاماً، هو من أنزل الناس إلى الشارع؟
الأكيد أن الوضع دقيق في لبنان، وذلك معروف وموثّق منذ أشهر، وما إجراءات مصرف لبنان منذ العام 2016 (سنة إجراء الهندسات المالية لأول مرة) وحتى اليوم، إلا دليل على ذلك. لكن مع ذلك، يتصرف المصرف، كما لو أنه يملك فوائض مالية يمكن تبذيرها، عبر مبادرات اجتماعية هنا وهناك. ليس الحديث هنا عن دعم قروض الإسكان على سبيل المثال، إنما عن دعم مباشر يُقدّم للجمعيات أو لغيرها، من دون معرفة معايير الحصول عليه وغاياته. ما هو معروف أن تمويل هذا الدعم يتم من حساب خاص يسمّى «دعم نشاطات مختلفة» ويحمل الرقم 02-240966015. لكن، ما هي وظيفة هذا الحساب؟ وكم أنفق منه على «النشاطات المختلفة»؟ وماذا كانت وجهة هذا الدعم؟ وما هي آلية توزيعه؟ وهل صحيح أن العنوان الفضفاض لهذا الحساب يجعل منه صندوقاً أسودَ يموّل كل «النشاطات» غير الرسمية؟ تلك أسئلة تبقى بلا أجوبة.
بحسب المستندات التي حصلت عليها «الأخبار»، فإن مدير المكتب التنفيذي في المصرف أرسل إلى الحاكم طلباً بعنوان «دعم أكاديمية التواصل والقيادة – صيدا»، يشير فيه إلى أنه «استناداً إلى تعليمات سعادتكم القاضية بتقديم الدعم بقيمة 150 ألف دولار، يرجى الموافقة على تسديد هذا المبلغ من الحساب الخاص بدعم نشاطات مختلفة ذات الرقم 02-240966015».

وقد أشار مدير المكتب جوزف عساف في كتابه، الذي يحمل الرقم 22/73، إلى أن الكتاب يستند إلى «طلب مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة دعم مصرف لبنان المادي لنشاطات أكاديمية التواصل والقيادة – صيدا للعام الدراسي 2018 – 2019».
هذا يعني عملياً أن النائبة بهية الحريري – عمّة رئيس الحكومة سعد الحريري ووالدة أحمد الحريري ونادر الحريري، بوصفها رئيسة مؤسسة الحريري، تطلب دعماً مالياً من حاكم مصرف لبنان، والأخير يلبّيها في عز الأزمة المالية، ومن مال الشعب اللبناني، وبالدولار الأميركي، بـ150 ألف دولار!
كان ذلك في 23 أيار 2019، لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد. بعد أسبوع تماماً (30 أيار 2019)، وبكتاب يحمل الرقم 23/73 (الكتاب الذي تلى الكتاب المتعلق بمؤسسة الحريري)، يصدف أن الحريري نفسها قد حصلت على دعم إضافي من المصرف بقيمة 75 ألف دولار أميركي، لكن هذه المرة ليس بصفتها رئيسة «مؤسسة الحريري» بل بصفتها «رئيسة المبادرة الوطنية لمئوية لبنان الكبير». أما الهدف من الدعم فهو «تطبيق الاستراتيجية الوطنية لمنع التطرف العنيف في المجتمع اللبناني». كثيرة هي الملاحظات التي يمكن سوقها في إطار النقاش في ما يسمى مبادرة مئوية لبنان الكبير أو في الاستراتيجية تلك، لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية هي استراتيجية حكومية، أطلقها رئيس الحكومة نفسه، وبالتالي، يفترض أن يكون تمويلها حكومياً، فمن أدخل مصرف لبنان إليها؟ ليس هذا مهماً، المهم أن المبادرة، بفضل السياسات الحكومية ودعم مصرف لبنان، تحقق نجاحاً باهراً. تكفي الإشارة إلى أن أحد أهدافها هو «استعادة الثقة بين أفراد المجتمع في ما بينهم وبين المجتمع والدولة، وتعزيز المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية…».

قد تطول الأسئلة المتعلّقة بمبادرة حاكم مصرف لبنان، لكن الأكيد أنه أمر بصرف 225 ألف دولار من المال العام، بناء على طلب النائبة الحريري، في الوقت الذي كانت تناقش فيه موازنة العام 2019. علماً أن تلك الموازنة شهدت تخفيضاً في الإنفاق على الجمعيات، في مسعى من الحكومة لتخفيف العجز، لكن يبدو أن ذلك لم يسر على مصرف لبنان الذي لم يتردد في الدفع من الجيب الخلفي للدولة، لجمعيتين ترأسهما الحريري. فما أهمية خفض موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية عندها؟ وهل قرر مصرف لبنان أن يحلّ مكانها؟
انطلاقاً من الشفافية التي يدّعيها المصرف، عليه أن يقدم للرأي العام المنتفض في وجه الفساد وهدر المال العام، كشف حساب يبيّن ما هي تلك النشاطات المختلفة وكيف صرفت الأموال عليها خلال السنوات الماضية؟ لكن قبل ذلك على إدارة المصرف وعلى الحكومة أن توضح للناس بأي منطق يقدّم مصرف مركزي الرعاية لجمعيات بهية الحريري أو لماراثون بيروت أو لغيرها من الجمعيات أو النشاطات، هو الذي لا يتعامل مباشرة مع الجمهور ولا ينافس أياً من المصارف؟

 

 

إيلي الفرزلي-الأخبار