الرئيسية » رصد » لا أحد في كوكبنا يشبه سامي خضرا

لا أحد في كوكبنا يشبه سامي خضرا

كتب جهاد بزي : لا أحد  في كوكبنا الأرض يشبه سامي خضرا.
في الشكل هو شيخ آخر من شيوخ “حزب الله”. لكنه، حين يحكي، وهو يحكي منذ زمن بعيد، يبدو بطلاً جباراً آتياً من كوكب بعيد في مهمة رسالية وحيدة، أن يكون ولي أمر النساء والوصي الأوحد عليهن.

لا أحد في كوكب الأرض يشبه سامي خضرا. إنه فريد من نوعه. كأي سوبرمان يتطوع لانقاذ الآخرين من دون أن يطلبوا منه ذلك، تطوع خضرا لأن ينقذ المرأة من نفسها أولاً، ومن ذئاب المجتمع ثانياً. ولأن المرأة وحمايتها هوس خضرا الحصري والوحيد، فلا شأن له في هذا العالم، إلا توجيهها في التفاصيل الدقيقة، هناك حيث تكمن الشياطين، في تعاطيها مع بائع الخضار، في السهر مع الذكور من أقاربها، في ألا تضع صورتها في صالون بيتها.. في أن تستبدل وجهها في “فايسبوك” بشجرة خضرا التي باتت أشهر من شجرة عيد الميلاد. في الالتزام بأدبيات تكاد لا تحصى على “واتسآب”. في أن الأفضل أن تختفي تماماً، إلا حين الحاجة الأولية إليها، كأم وزوجة أو طبعاً كمحاورة تلفزيونية مسكينة لا تملك إلا الموافقة على كل ما يقوله ذَكَر الذكور هذا، بل والمزايدة عليه في ذكوريته المتجذرة فيه إلى درجة يكاد يكون من المعقول أنه أتى من كوكب كريبتون للذكور، لكن من المستحيل النقاش في أن كل كلمة ينطق بها بحق المرأة هي حكماً مسيئة للمرأة. المرأة التي بالتحديد يقول خضرا أنه يحكي باسمها، المرأة التي يبرر غرائبياته غالباً بقوله إنها موجهة فقط إلى ابنة “بيئته”، أي النسوة الملتزمات دينياً من الطائفة الشيعية. بنات البيئة اللواتي إذا كن فعلاً يقبلن بنظرة خضرا إلى المرأة عامة وإليهن خاصة، فهذا شأنهن، وإن كان الاستماع إلى أي رأي مختلف يعتبر رياضة ذهنية جيدة.

نجم هذا الشيخ خفت مؤخراً في “فايسبوك”. برامجه في قناة “الكوثر” (ربما!) لا يشاهدها إلا معجبوه، ومواعظه تكررت وهو يطيل. لولا السوشال ميديا، أميركي المنشأ، والذي يريد خضرا تنظيف أخلاقه لكنه يجيد لعبته، لما سمع أحد بخضرا. وقد أعلن أصلاً أن خبرته البيئية تقتصر على نوع واحد، شيعي ملتزم، من الأشجار. لا دخل لأحد غيره به إذن. وقد تغاضت عن أقواله الأشجار الأقل حظاً. وقد اختفى خضرا لفترة وقد انشغل البلد بمصائبه، إلى أن أتت الثورة التي لم يستطع خضرا تحمل مشهدها الإباحي المقزز، وقد دفعته لأن يعود من التكفير والهجرة ليعتذر عنها لكل العرب والمسلمين، مع أنها ثورة من دون “البيئة” التي أمرها الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، بكل وضوح أن تخرج من الشارع من الأيام الأولى للنزول إلى الشارع.

كل كوابيس خضرا العميقة، نسوية حصراً، لكن هذه الثورة فاقت أسوأ كوابيسه. وبينما يعتذر للمسلمين حصراً، دون المسيحيين مثلاً، عن “الصورة السيئة والموبوءة التي نقلت عن المجتمع اللبناني وخاصة المرأة”، استعان خضرا  باصابع يديه العشرة ليعدد مساوئ اللبنانية التي استحقت اعتذاره شخصياً: “بالألفاظ، بالكلمات، باللباس، بالحركات العبثية”. واختنق خضرا وكاد يقع عن كرسيه لولا أن تداركت المحاورة الموقف بأن قالت جملة بلا معنى: “بالفعل مسرحية هزلية”، فتابع: “معيبة جداً”.

حضور المرأة في الثورة، صوتها العالي، الشتيمة التي تطلقها بملء رئتيها ضد كل مقدس لبناني تافه، ريادتها، أمور ليست بمتناول استيعاب خضرا. ثمة ما هو أبعد من المرأة في الثورة وما لا يتحمله الشيخ بالتحديد، وهو أنها ثورة بلا جندر، بلا جنس. لا فارق واضحاً بين من تقود الهتاف ومن يردد خلفها. إنهما شديدا الشبه، هو بلحيته وهي بشعرها المعلن وكتفيها العاريين. لا فارق واضحاً بين الذكور والإناث، وقد تشابكوا بالسواعد والسيقان في منتصف الطريق، كي يعجز الأمن عن فك هذه الشبكة المتداخلة من البشر. خضرا يرفض أن تمازح شابة ابن خالتها، في سهرة عائلية حول كوب شاي، فكيف سترى عيناه عناقاً بهذه الشدة بين شاب وشابة تحميه من أن يجره رجل الأمن إلى الاعتقال؟ هذا التشابك الذي لا يمكن، في ذهن خضرا، إلا أن يكون غرائزياً، مفعماً بهرمونات الرغبة الجنسية، هذا التشابك المثير، الشهواني، الإباحي.. كيف يتغاضى عنه خضرا؟ كيف يسكت عنه خضرا؟ كيف ينقذ نفسه منه خضرا؟ كيف وكيف حتى يصير السؤال هنا ليس كيف نحمي الثورة من خضرا، بل كيف نحمي خضرا من كل التهويمات والخيالات التي تفرضها هذه الصور على ذهن متحفز ومتشوق وشبق مثل ذهن خضرا؟ كيف ننقذ خضرا من خضرا؟

لا يستحق خضرا نحو 600 كلمة وصلت إليها هذه السطور حتى الآن. لكن ثمة متعة، فلنقل إنها موسيقية، في تكرار لفظ “خضرا”، وفي محاولة فهم شخص مثل سامي هذا. إن سخرية عارمة تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي كلما حكى. لكنه لا يقلع، ولن يقلع. ولا أحد مهتماً أصلاً بأن يقلع خضرا. إنه مسلٍّ، بل شديد الفائدة لمن يخاصمنه. لا أمل يرتجى بخضرا. الأمل الوحيد يبقى بأن محاورته، وبعد طول طول استماع إلى آرائه الكريهة بالنساء، ستنتبه، وتدرك، وتتمرد، وتسأل السيد سؤالاً واحداً لم يتوقعه، ويضع ثقته المصطنعة في ارتباك شديد..

سامي خضرا، ليس من كوكب آخر، وليس فريداً من نوعه. بداية النص كانت مزاحاً. مسرحية هزلية. خضرا ليس سوبرمان. إنه عادي وبسيط ومحدود الأفق ولم يقرأ كتباً حقيقية في حياته، وإلا لما كان ما هو عليه. خضرا لا تأثير له في المختلفين عنه، إلا ذاك الشعور بالعميق بالشفقة عليه وهو يحرج نفسه فعلاً إذ يعتذر “من كل العرب والمسلمين”، ناسياً أن في الكوكب الذي أرسل من آخر الكون لإنقاذ نسائه، لبنانيات غير مسلمات، ومسلمات غير شيعيات، وشيعيات لسن يتظاهرن فحسب، بل يقدن هتافات الشتيمة وعري الأكتاف.

ليس في الختام إلا الشفقة على خضرا كنموذج تخطته كل الأشياء. الشفقة التي تطلب منه أن يوفر عن رجل مثله كل هذه السخرية من مقامه العادي. الشفقة التي تسأله، بخالص التضامن مع ظاهرته الذاهبة صوب الانقراض: لماذا تفعل بنفسك هذا يا خضرا؟ لماذا يا خضرا؟ لماذا؟