الرئيسية » رصد » تمثيل سياسي لـ “حزب الله” وحلفائه في حكومة “الانقاذ”

تمثيل سياسي لـ “حزب الله” وحلفائه في حكومة “الانقاذ”

كتبت ملاك عقيل : يتحضَّر رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري وفريق عمله لمغادرة السرايا الحكومية قريبًا. هو أحدُ الخيارات على أجندة “الحريريين”، وما يجعله واقعيًا خوف رئيس الحكومة من تبعات التكليف، إن قبل به، أولًا من جانب الشارع وثانيًا من تحوّل المغامرة الى “مقبرة” لمساره السياسي.

سيبقى الرجل “مُرابضًا” في بيت الوسط يتابع ويواكب علّ فرصة جديدة تلوح مجددًا في الافق تعيده الى رأسِ السلطة التنفيذية بوصفه الاقوى في الطائفة السنية، المعيار الذي لا يأبه به الشارع اليوم، فيما محيطه القريب بات يروّج لنظرية “الحكومة الانتقالية” التي لا مكان لسعد الحريري فيها، حتى لو حكومة اختصاصيين، وستكون مهمّتها إنقاذية لترتيب الوضعين المالي والاقتصادي والاستجابة لمطالب الحَراكِ.

وفق المعلومات، الاتصالات لم تتوقَف خصوصًا على خطِّ حزب الله – تيار المستقبل، في مقابل تواصل لم ينقطع أيضًا، رغم الجفاءِ، بين الحريري وجبران باسيل. كما أنّ المعلومات نفسها تشير، الى أنّ حزب الله الحريص على عدم استثارة الحساسيّات السنية – الشيعية في حال عدم السّير بخيار الحريري يضغط لتوفير أرضية آمنة لأي خيار حكومي آخر يخلق انطباعًا مريحًا لدى الشارع، مع الضغطِ المستمرِّ لاقناعِ الحريري بالعدول عن رأيهِ.

وتبعًا للمعلومات نفسها، بدأت تلوح في الأفقِ بوادر موافقةٍ حريريّةٍ للسيرِ بحكومةٍ تكنو – سياسية مشروطة بإعطاءِ صلاحيّاتٍ استثنائيّةٍ للحكومة وعدم توزير جبران باسيل شخصيًّا في الحكومة الأمر الذي لا يزال يرفضه الاخير.

على رغم إصرارِ الحريري على النأي بنفسهِ عن رئاسةِ حكومة ستواجه أكبر أزمةٍ ماليّةٍ واقتصادية ونقدية بعد “الطائف”، فإنّ الأمر ليس سهلًا أبدًا على نجل رفيق الحريري الذي عاد عام 2017 سالمًا معافى من محنةِ الاختطاف وإجباره على الاستقالة، فإذ به يواجه استحقاقًا أصعب بكثيرٍ كونه لا يرتبط بشخصهِ فقط، كما حصلَ ذلك منذ ثلاثِ سنواتٍ، بل بمصيرِ بلدٍ “يتمختر” نحو الهاوية بهمّة قياداته.

يشعر الحريري بمرارة كبيرة لابتعاده عن السلطة. خسارة فوق خسارات موجعة سابقة. حتى فريق الحريري اللصيق به مصاب بنوبة إحباط وتردّد، فيما “العزاء” يكمن في المراهنة على قبول الحراك بـ “فوج الحريري” شريكاً في الانتفاضة الحاصلة ضد السلطة ورموزها الفاسدةّ، مع العلم أن “نقزة” بيت الوسط من بعض الجهات المحرّكة للشارع، خصوصاً على المستوى التنظيمي، لا تقلّ عن نقزة المعارضين لأهل “الثورة”!

نُقِلَ عن رئيسِ الجمهورية ميشال عون بعد أيّامٍ قليلةٍ على إعلان الحريري استقالته من الرياض قوله لعمّة رئيس الحكومة المُحتَجَز النائب بهية الحريري خلال لقائه بها في قصر بعبدا “سعد إبني. عقدنا التسوية معًا ونخرج معًا”.

في ذاك التوقيت السياسي كان عون يقصدها، خصوصًا، أنّ العاطفة خاوت السياسة في معالجة “مأزق سعد”. حكومة الحريري الثانية في عهدِ عون عانت الامرّين لتولد وكادت تطيح بـ “أبوّة” اختبرت لاحقًا جولات من الكباشِ الحقيقي بين قصر بعبدا وبيت الوسط، لكن القرار الرئاسي، بدعمٍ واضحٍ من حزب الله، بقيَ ثابتًا “لا خيار آخر سوى سعد الحريري”.

الطرفان اليوم، وبناءً على تراكماتٍ سابقةٍ غير مرتبطةٍ فقط بإنقلابِ الشارعِ، يتحضَّران لمرحلةٍ جديدةٍ من قيادة دفّةِ البلدِ. على الأرجحِ، إتّخذَ الحريري قراره بالابتعاد من رئاسةِ الحكومة في اللحظة التي كان يدوّن فيها نصّ استقالته لعلمه، أنّ حزب الله بالأساس لن يرضى بـ”حكومةٍ مستقلةٍ” مع صلاحيّاتٍ استثنائيّةٍ يتخلّى فيها الحزب عن مكتسباته، وبالتأكيد لم يكن مستعدًا لخوضِ جولاتٍ من النقاشِ العقيمِ مع الوزير باسيل، وهو اختبر جزءًا منها فعلاً، من خلال إصراره على التفرّدِ في تسميةِ الوزراءِ المسيحيين إن التكنوقراط أو السياسيين!

وصحيحٌ، أنّ النقاشات ينطبق عليها، ومنذ سقوطِ ورقةِ محمد الصفدي، عبارة راوح مكانك، إلّا أنها كانت كافية وفق المعطيات للتسليم بصعوبة الجمع بين طرحَيْن مُتَنَاقضَيْن تمامًا لا يجمعهما فعليًا سوى رغبةِ الحريري الدفينة، رغم رفعه شعار “حكومة الاختصاصيين”، بإدارة ظهره وعدم تحمّل المسؤولية راهنًا، وبالتالي، رفض تكليفه مجددًا. بدا لكثيرين في مقلبِ 8 آذار، أنّ الاستقالة الاجباريّة عام 2017 أخذت اليوم شكلًا طوعيًّا بإرادة الحريري هذه المرّة.

يوازي هذا الواقع، رفض حزب الله أولاً لـ “تنصّل الحريري من مسؤولياته وهو الأمرُ الذي أشار اليه السيّد حسن نصرالله صراحةً في أول خطاب له بعد انتفاضة 17 تشرين، والتنصّل أيضًا من تبعاتِ إدائه السياسي طوال الفترة الماضية”، كما يقول قريبون من حزب الله.

وثانيًا رفَضَ الحزب “نفي نفسه” عن الحكومة المقبلة مهما كان الثمن، متوافقًا بذلك مع ميشال عون ونبيه بري. هو الحزبُ الذي طوال شهر ونصف تقريبًا من الحَراكِ لم تشهد “بيئته” انتفاضة بوجهه، كما حدث في “بيئاتٍ” أخرى، فيما تخلّيه عن تمثيله السياسي الذي حصده بُعَيْد الانتخابات النيابيّة هو أمرٌ غير مطروحٍ.

المعلومات تفيد في هذا السّياق، بأنّ الثنائي الشيعي لن يقبل إطلاقًا بحكومةٍ لا مُمَثِّلين له فيها “ولو بوزيرٍ واحدٍ عن حزب الله وآخر عن حركة أمل”، فيما جهده انصبَّ طوال الفترة الماضية على إقناعِ الحريري بعدم تركِ الميدان في “وقتِ الخطرِ” وبعدم المساهمة في سقوطِ التسوية والبقاء شريكًا فيها من خلال الحكومة المقبلة.

ولذلك، بقدر ما تتقدَّم خيارات حكومة تكنو – سياسية، بقدر ما يبتعد الحريري أكثر فأكثر عن واجهةِ الاحداث مسلّمًا، بأنّ التسوية الرئاسية سقطت، رافضًا وفق قريبين منه منح الغطاءِ “السني” لأيّ رئيسِ حكومة، ومردِّدًا أمام من يهمّه الأمر “لم تقبلوا بطرحي لرئاسة الحكومة. إذهبوا وكلِّفوا من تريدون وشكِّلوا حكومة، ومسؤولياتي سأتحمَّلها من ضمن موقعي الجديد”.