الرئيسية » رصد » الطائفية حقد موروث ونزعة قاتلة – عبدالله ارسلان

الطائفية حقد موروث ونزعة قاتلة – عبدالله ارسلان

 

إذا أردت أن تقبض على الرأس، فتصيّد المعدة. اللقمة أساس الفكرة. الطعام أولاً والعقل ثانياً. ووفق هذه المعادلات، يتم إخضاع الإنسان العربي لشروط تأمين الطعام، ثم يتم تحويل الإنسان، في مجتمعات الفاقة الديموقراطية والعوز إلى الحرية، إلى لا إنسان. تفقده الحاجة والتلبية الممتنعة أو الممنوعة، إلى طالب رزق وطعام. يتنازل عن قيم ومبادئ وأخلاق وكرامة وقضايا وحقوق. تصبح الحياة النباتية هي الهدف. هنا، يتحول الإنسان إلى مخلوق مطيع، مبرمج وفق نمط السلطة… لقد أخضع العرب عقوداً، كشعب، إلى عملية تحويل تامة. السلطة أخضعته فانكسر وأطاع. أغرته بالنفط والثروة والمكانة، فتذيَّل (من ذيل).
تحول من إنسان نبيل، حالم، مؤمن بالحياة، متفائل بالمستقبل، عامل من أجل وطنه ونفسه، إلى لا إنسان، يدافع عن محتقره، يقدس قاتل أحلامه، مؤمن بأن السلامة غنيمة. قاعد عن «الجهاد» في سبيل الحياة. ومن خرج من القطيع، تحوّل إلى صعلوك، المواصفات إنسانية راقية، مطارد من جلاوزة السلطة. والسلطة الداعشية في قالب ديني أشد فتكاً من الديكتاتوريات والممالك. فكيف إذا استحوذت هذه السلطة على نفط غزير ومتدفق، وعلى سلطة سياسية… عندها يتكاثر «المأجورون » كالقطعان. سيتدفقون تأييداً، ويستأسدون هياجا، ويتفوقون وحشية وبربرية.
آلات قتل الإنسان، في الكائن العربي، ثالوث من الطاغوت، «رأسمال نفطي، ورأسمال ديني، ورأسمال سلطوي». هذا الثالوث حوّل الإنسان العربي، إلى… ما ورد أعلاه. والناجون منه كفرة، مارقون. معارضون، نبلاء، حلال قتلهم وسجنهم وسحلهم.
لماذا نستمر في التصرف على ما اعتدنا عليه، إن كان هناك بدائل؟ الجواب عندنا سهل. لا يشبه جواب آينشتاين، لا حدود لهما، الكون وغباء الإنسان.».
جوابنا مرئي، لا يحتاج إلى عمق القراءة والتحليل وإلى تنبه في الاستدلال. نحن ورثنا قوالب تأديبية، على ما لم نرتكبه أبداً. نولد في قفص الموز العربي هذا، وأمامنا العقاب. والآخر، عليه أن يكون في القطيع، إن خرج، والخروج شأن طبيعي من غريزة الحرية في الإنسان، تعرض للعقاب.
هذا التفسير له في المشاهدات والوقائع تعبيرات وتجارب. يولد العربي، وتحديداً بعد الستينيات، وفي عز الديكتاتوريات، وهو معرض للعقوبة بلا سبب. يجب أن يكون لا موجوداً طبيعياً. أي يلزم أن يكون بلا هيئة وبلا طموح وبلا سلّم يرتقي فيه إلى…
الموجود الأول، هو الوجود العام. القائد هو الشعب والدولة والأمة والقضية، ويطبق ذلك، بكل الظلم المعهود، على ما عرفت عليه تجربة آينشتاين ويبرز الديكتاتور في هذا التنميط، الحضن الديني الطائفي والمذهبي المستجد .
يولد الطائفي أو المذهبي فيكتسب تدريباً طبيعياً، على أن من هو من غير طائفته، قد يكون عدواً، أو قد يصبح عدواً… أن نقول إن الطائفي يولد ويولد عدوّه معه، فهذا أمر مبتوت، وإلا فكيف نفسر الاصطفافات المذهبية والدينية، وكيف نفسر جاذبيتها لجموعها المحتشدة فيها بسهولة التوريث، وكيف نفسر تبنيها لقضايا، ثم الانقلاب عليها؟ كيف نفهم أن تحتشد في الصفوف المذهبية، مجموعات أكاديمية ونخب فكرية وثقافية وعلمية، إلى جانب مجموعات لم يتيسر لها غير اليسير من المعارف والوعي والفرص؟ كيف تصير كل هذه المجموعات، عامة وتسلك كالغوغاء؟ كيف تصير تابعة بإرادتها؟
يصعب على المتابع التدقيق في حجم التصنيع وقدرته على إنتاج هذه الملايين. كما تصعب معرفة البرامج التي تعتمد في صياغة هذا النمط من البشر. لكن يُشار إلى أن التبشير المنحاز دينياً، والتأكيد على «الفرقة الناجية»، والاستناد إلى التنكيل والجرائم التي حدثت في التاريخ، تمثل المحرك الأول لهذه الآلة التي دعمت بمال نفطي وفير، وقضايا وطنية وإقليمية وسياسية. وأسلمت الأمرة لرجال دين لا يفقهون من الدين شيئاً، يتصدرون وسائل إعلامية حديثة، لا يأتيها الباطل أو الخطأ من أي جانب، ولو أفتت بالقتل والتعامل مع الشيطان الأميركي أو عزرائيل الإسرائيلي.
إنه قفص الموز. إنها ولادة نموذج أو منظومة أو مثال يحتذى. والمنظومة (Para oligme) هي تصوّر للعالم، وهنا، هو تصور مسبق وملفق، وأسلوب للنظر إلى الأمور متناغم مع الصورة التي ترسم للعالم، يستند إلى قاعدة محددة: قالب تأديبي ونموذج نظري (ديني في واحتنا).
ثم يسألونك عن الإنسان فقل: هذا من بقايا الذاكرة. وإن سألوك عن الوحش فينا فقل: هذا من أمر أمراء الجهل والقتل في ممالك العهر العربي .