الرئيسية » أخبار مهمة » البكاء والنحيب ” ثقافتنا ” – مهدي الخطيب

البكاء والنحيب ” ثقافتنا ” – مهدي الخطيب

 

في عالمنا العربي والاسلامي اشتهرنا بالبكاء والوقوف على الاطلال في احزاننا وافراحنا لكن دون جدوى ….

الاوروبيون ابتدعوا فكرة جديدة للتخلص من الامراض النفسية التي يعانون منها بسبب ضغط ساعات العمل الطويلة، وارتفاع نسب العازفين عن الزواج وحالة العزلة التي يفرضها عليهم نظام الحياة، حيث انشأوا مؤسسات متخصصة لإقامة جلسات ” بكاء ” تولاها عدد من الخبراء والمدربين عبر برامج لقراءة الروايات والقصص او عرض الافلام التي تدفع المشاركين في العادة للتنفيس عن مشاعرهم والدخول في موجات بكاء لساعة او اكثر، وقد حظيت هذه ” المزارات ” البكائية باقبال كبير من قبل مختلف الاعمار نظرا لما حققته من نتائج ايجابية في تحرير الاشخاص من عقدهم النفسية وعصبيتهم الزائدة.

علميا، أشارت دراسة أجراها علماء اميركيون وهولنديون الى ان اغلبية الناس يشعرون بتحسن المزاج بعد البكاء لكن الدراسة ربطت بين فوائد البكاء ومكانه وتوقيته، كما لاحظت دراسات أخرى ان البكاء كالتعرق بعد الرياضة،وانه ضروري للتخلص من حالة التوتر والحزن، مثلما ان الدموع تساعد في التخلص من بعض المواد الكيميائية التي تترسب في الجسم جراء الضغط النفسي.

يمكن بالطبع فهم البكاء في اطار التعبير عن مشاعر الحزن أو الضيق أو في مواجهة المآسي التي يزدحم بها واقعنا وهو (البكاء) هنا منسجم مع الفطرة الانسانية التي تنتابها لحظات من الفرح والحزن تحرك داخلها غرائز مثل الابتسامة او الدمعة الباكية.

لكن ما لا يمكن فهمه هو ان يتحول البكاء الى ” روح ” عامة تسري في المجتمع والناس والامة، بحيث تتعامل مع مختلف التحديات التي تواجهها بمنطق الدموع تماما كما فعل شعراؤنا حين وقفوا للبكاء على الاطلال، وهكذا يمكن ان نتحول الى بكائيين عاجزين عن فعل اي شيء، لدرجة قد نتصور فيها احيانا ان بمقدور الدموع المسكوبة ان تحجب عنا رؤية الواقع و مواجهته ، او انها السلاح الوحيد الذي نملكه لتغيير احوالنا وحل مشاكلنا.

فرق كبير بين الاوروربيين الذين دفعهم نمط الحياة المزدحمة بالعمل والانتاج والتوتر الى البكاء ، وبين بعض العرب والمسلمين الذين دفعهم الشعور بالعجز وقلة الحيلة والظلم والاستعباد، او اضطرتهم مآسي الحروب والصراعات الى البكاء والندب وشق الجيوب، اولئك الاوروبيون قاموا بواجبهم على الارض في بناء الحياة ونهضوا بمسؤوليتهم ثم جلسوا ” للبكاء ” لاستئناف هذا الواجب واتمامه، اما نحن فقد خنقنا العجز والقتل والخوف والتخلف، واستفزعتنا دعوات ” النعي” التي انتشرت حولنا، ولم يسعفنا تفكيرنا في الخروج من المقبرة التي اقمنا بين كوابيسها ودفنّا فيها عقولنا، فاستسلمنا لموجات طويلة من البكاء ، حتى أعمت الدموع عيوننا عن رؤية حاضرنا ومستقبلنا ايضا.

ربما تكون بعض الطرق التي تفضي للفرج مرصوفة احيانا بالدموع، وربما نحتاج احيانا اخرى للتعبير عن انسانيتنا او الخشوع لله تعالى بالبكاء، وربما تأخذنا صور الحياة المليئة بالمآسي والحزن الى ان نذرف دمعة حرّى على مشهد نعجز عن فعل اي شيء تجاهه، لكن من الخطأ ان نتحول الى مجتمعات باكية لا تجيد الا اقامة البكائيات، وذرف الدموع على الامجاد والاشخاص والمقابر، ولا تفهم الحياة ولا تسير عليها الا في سياق الدروب المرصوفة بالحزن الدائم والبكاء والعويل.