الرئيسية » اخترنا لكم » عون وجعجع… والتفاهم المستحيل – جوني منير

عون وجعجع… والتفاهم المستحيل – جوني منير

 

لم تعكس التصاريح الصادرة عن رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون ورئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، والمرحّبة بعقد لقاء بينهما في الرابية، حقيقة الصورة لجهة أبعادها الفعلية. فمَن سمع الكلام الايجابي الصادر عن الطرفين اعتقد للوهلة الأولى أنّ زيارة جعجع إلى الرابية ستحصل بين لحظة وأخرى، لكنّ المشهد يبدو أكثر تعقيداً ممّا هو ظاهر، ما يجعل هذه الزيارة مؤجَلة حتى إشعار آخر.

في الاساس، لم يكن التواصل مقطوعاً بين «التيار الوطني الحر» و»القوات» على رغم حدّة المعركة الرئاسية. ومع شغور قصر بعبدا ومرور الوقت، بدا للعماد عون أنّ رهانه على انتزاع تأييد صريح وعلني من تيار «المستقبل» لترشيحه أجهَضه «الفيتو» السعودي، أما جعجع فلمس أنّ الرئيس سعد الحريري بدأ يستعمل ورقة انسحابه في إطار مفاوضاته السياسية، فيما رئيس «القوات» الذي نجَح بترشّحه في قطع الطريق على عون، يريد أن يستثمر قرار انسحابه في حسابه السياسي الخاص.
من هنا بدَت الحاجة لكلا الطرفين في التقارب اكثر، ولو كلّ من زاويته الخاصة والمختلفة عن الآخر. هكذا تطورت الفكرة، وبدا جعجع أقلّ سلبية تجاه عون، وشجَّع خطَّي التواصل اللذين فُتحا بعيدا من الاعلام.
من جهته، بدأ عون يعتقد أنّ اتفاقاً على خيار ترشّحه بينه وبين جعجع، يُؤيّده بطبيعة الحال النائب سليمان فرنجية، سيفتح الطريق بقوة الى بعبدا وسيزيل كلّ اعتراضات الفرقاء الآخرين، وفي طليعتهم تيار «المستقبل»، انطلاقاً من أنّه يصعب الوقوف في وجه اتفاق المسيحيين الاقوياء على الاستحقاق الرئاسي، وهذا ما يرفضه جعجع بالتأكيد. ذلك أنّ حساباته مختلفة، فهو يدرك أنّ مرحلة الدخول في تحديد اسم البديل بدأت، والأهم أنّ عون يشكل رقماً صعباً في هذا الاطار وفق اعتراف الجميع.
ما يعني أنّ جعجع يسعى إلى مشاركة عون في اختيار الرئيس المقبل، وهو ما يرفضه عون بالتأكيد، على أساس أنّ رأسماله السياسي والنيابي كافٍ لتحديد صورة بعبدا المستقبلية بعد التفاهم مع «حزب الله» وتيار «المستقبل». فلماذا إدخال شركاء اضافيين؟
في اختصار، يُرحّب عون باللقاء اذا كان الهدف منه اعلان جعجع تأييده للرئاسة، فيما جعجع مستعد للزيارة بهدف اختيار اسم الرئيس المقبل، وهو الذي يسعى إلى إيصال مرشح يزور معراب باستمرار، وصاغ معه تفاهماً كاملاً على المرحلة المقبلة. وما يشجعه أنّ عون لم يعلن اعتراضه عليه بعد.
لا تزال فكرة اللقاء متوقفة عند هذه النقطة، على رغم أنّ عون كان قد أبلغ إلى جعجع عبر الخط المفتوح بينهما، أنّ علاقته بـ»حزب الله» هي خارج أيّ نقاش بينهما.
في هذا الوقت يستمر التحضير جيداً لبدء الحوار بين تيار «المستقبل» و«حزب الله»، وعلى رغم الانطباع الغالب لدى «المستقبل» بأنّ الآمال ضعيفة لجهة الخروج بنتائج، إلّا أنّ المطلعين يعتقدون أنّ هذه الصورة السائدة لا تعبر فعلياً عن حقيقة الامور، ولو أنها تشكل غطاء مموّهاً يسمح بالبدء بالحوار بعيداً من التشنج والآمال الكبيرة، خصوصاً أنه يستلزم مدة زمنية طويلة نسبياً.

وعلى رغم إصرار نائب وزير الدفاع الاميركي للشؤون السياسية ماثيو سبنس على التأكيد أمام المسؤولين اللبنانيين أنّ بلاده لن تتدخل في الاستحقاق الرئاسي، وأن لا علاقة للاتفاق بين واشنطن وطهران في الملف النووي، بملف الرئاسة اللبنانية، إلّا أنّ الاوساط اللبنانية لم تبدُ مقتنعة بهذا الكلام وفسّرته بأنّ واشنطن تريد تجنّب دفع أكلاف سياسية لسوريا أو ايران في هذا الاطار.
كذلك، فإنّ زيارة الموفد الفرنسي جان فرنسوا جيرو إنما حصلت بعد انقطاع فرنسي طويل، وثمّة اسباب جوهرية حتّمت حصول هذا التحرك، وفي الاطار الرئاسي تحديداً.
ويروى أنّ جيرو حاول جسّ نبض عون في شأن الخيار البديل، ولكن بعبارات ديبلوماسية حين سأله وجهة نظره بعد المواقف الاخيرة خصوصاً للرئيس سعد الحريري وسبل الولوج الى مخارج. لكنّ عون استمر في إعلان مواقفه المبدئية لناحية الحقوق والحصص والجمهورية.
أما نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف فكان لافتاً ما أعلنه لجهة وجوب التفاهم على مرشح توافقي، وهو كرّر كلامه مرتين.
لذلك تبدو الاوساط المطلعة على اقتناع بأنّ مرحلة البحث في الافراج عن الاستحقاق الرئاسي اللبناني قد بدأت جدياً، ولو وفق وتيرة بطيئة.
وتعتقد مصادر ديبلوماسية اوروبية مهتمة بالشأن اللبناني أنّ عون سيتجاوب مع فتح ابواب التفاوض، شرط أن يتقدم اليه المعنيون بمشروع كامل وملموس وواضح، ما يشكل أرضية جدية للبدء في التفاوض الصعب، وأنّ هذا هو الانطباع الذي خرج به الموفدان الفرنسي والروسي.
صحيح أنّ باريس ستشكل ممراً مهماً لإنجاز الملف الرئاسي، إلّا أنه بدا أنّ روسيا ستحظى ربما للمرة الاولى بدور ما مساعد في هذا الاطار، وهي التي تستعد لاحتضان المفاوضات حول الملف السوري، فيما سيُعرف بـ»موسكو 1»، وبالتالي توسيع اطار حركتها في الشرق الاوسط لتصل الى لبنان، وهي التي تعاني من مفاوضات صعبة مع واشنطن حيال اوكرانيا.
وكان لابتسامات بوغدانوف الساخرة لدى التطرق الى السياسة الاميركية خلال لقائه بالمسؤولين اللبنانيين معانٍ بليغة.