الرئيسية » اخترنا لكم » عام سيئ مضى.. عام أسوأ يأتي! – حبيب فياض

عام سيئ مضى.. عام أسوأ يأتي! – حبيب فياض

لم تعد الأسئلة حول مستقبل الوضع في لبنان سوى مناسبة للتذكير بأن ما ينتظر اللبنانيين أكثر سوءاً، وبأن السنوات المقبلة ليست سوى محددات زمنية لدفع المشهد الراهن نحو المزيد من المأساوية والتصعيد.
في لبنان، أصبح الخوف من المستقبل والسؤال عن المصير لأزمة لا تفارق التفكير. توقع الأفضل لم يعُد يقترب من مخيلة الناس، وبات الحدّ من كارثية المستقبل هو الأمنية السائدة. هذه السوداوية المستشرية ليست حكراً على حقبة مرحلية، بل يمكن خلع التاريخ عنها وتعميمها على الأعوام المقبلة، انسجاما مع الأعوام الماضية. فلا شيء يدفع اللبنانيين الى التفاؤل، وليس ثمة ما يشجعهم على انتظار فرصة حل أو ترقب فسحة أمل. بينما ما يحيط بهم من مشاكل وتحديات، عصي على الإحصاء ولا يمكن سرده إلا على سبيل المثال لا الحصر.
واذا كان واقع لبنان عينة من الواقع العربي الآيل إلى مزيد من الفوضى والتخلف، فإن الخصوصية اللبنانية تنطوي على خطورة إضافية بسبب إمكانية تبدل التعايش الطارئ الى احتراب أصيل. ذلك أن عدم الاستقرار بات عنصرا مشكلا لماهية لبنان الراهن، وأن الاضطراب الذي يشهده الواقع اللبناني منذ بداية التسعينيات ليس سوى حروب أهلية، يستخدم فيها مختلف أدوات الصراع ما عدا الأسلحة والمتاريس.
في لبنان، لا ثنائية نظام ومعارضة، بل ثمة إجماع على حفظ النظام من الإصلاح والنأي به عن أي شكل من أشكال التغيير. وليس ثمة حاجة لإعمال القانون في ظل توفر منظومة فساد تعمل بلا انقطاع على توفير المصلحة للجميع. كما لا ضرورة لبناء الدولة ما دام زعماء الطوائف يقومون بمهام تلبية احتياجات التابعين والموالين. النظام اللبناني يفتقد المعارضة لأنه يقوم على شراكة فاسدة بين غالبية المعارضين وأكثر الحاكمين، وهو بنية متكاملة تتشكل من علاقة انحرافية بين القيمين على الدولة ومكوناتها. لا أحد في لبنان يبتغي الإصلاح في الدولة لأن الجميع يجني من فيء فسادها. فالدولة هي مجموع الزعماء الذين يحكمون باسم العصبيات والمذهبية. فلا دولة خارج الزعامات، ولا زعامات خارج السلطة، ولا سلطة من دون محاصصة واقتسام نفوذ، ولا نفوذ من دون جمهور، ولا جمهور خارج إرادة الزعيم.
في لبنان، القطيعة بين المتخاصمين تحكم المواقف ولا طاولة حوار تؤدي الى تفاهمات. التلاقي غالباً تواطؤ والخلاف دائما خصومة وتعطيل. الخطاب العدائي أقصوي ولا يحتفظ بأي من خطوط العودة. الانسياق الغريزي يؤبد الاصطفافات القائمة ويهدد الصيغة الميثاقية والعيش المشترك. الاحتقان في الشارع سيد الموقف ويعبر عن نفسه بين حين وآخر بجرعات مرتفعة من العنف والعدوانية. الكراهيات المنفلتة من كل قيد تحكم نظرة كل فريق الى الآخر وهي تتعاظم مصحوبة بما تيسّر من سجالات وصدامات. يرافق ذلك كله تسيّد الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل وارتفاع معدل الجريمة واستشراء الفساد في المؤسسات ولدى المسؤولين، ووجود ما يقارب المليون ونصف المليون لاجئ سوري على الاراضي اللبنانية. هذا عدا الكساد الاقتصادي وتصاعد الدين العام وجمود القطاع السياحي، واستمرار الهدر وغياب خطط التنمية و..
في لبنان لا انتخاب رئيس للجمهورية، ولا توصل لقانون انتخابي. لا مجلس نيابي فاعل، ولا حكومة طبيعية بديلا من حكومة الاربعة والعشرين رأساً. كما لا خروج قريبا لـ «حزب الله» من سوريا، ولا تفاهم حول سلاح المقاومة، ولا طريقة للخلاص من آلاف الإرهابيين الموزعين على شكل خلايا نائمة في الداخل ومتأهبين للانقضاض في الجرود، والله وحده يعلم إن كان هناك عودة قريبة للمخطوفين العسكريين. وأيضا، لا تصور لوضع ملف النفط على سكة التنفيذ، ولا مصداقية في مواجهة الفساد الغذائي، ولا نتيجة ترتجى في استرداد الأملاك العامة، هذ فضلا عن انه لا حل لأزمات الموازنة والكهرباء والنفايات و…
في لبنان، تبعية للخارج وعبث خارجي بالداخل. معطيات التوافق الداخلي منعدمة فيما الأزمة اللبنانية تنمو على تراكم المسببات الخارجية. وإذا كان الواقع اللبناني يتحرك على إيقاع الأزمة السورية، فإن الرهان على حلّ قريب لهذه الأزمة كمدخل الى عودة الوفاق والاستقرار الى لبنان ضرب من الوهم. فالحل في لبنان يفتقد توافقا أميركيا ـ ايرانيا، وسعوديا ـ ايرانيا، وسعوديا ـ سوريا، وسوريا ـ لبنانيا، إضافة الى توافق لبناني، إسلامي ـ إسلامي، ومسيحي ـ مسيحي وإسلامي ـ مسيحي، وآذاري ـ آذاري.
في لبنان، لا يمكن إغفال الخطر التكفيري الساعي الى جعله ساحة «جهاد» وفوضى وإلحاقه بالموصل والرقة. كما لا يمكن استبعاد الخطر الإسرائيلي القائم دوماً، والذي قد يتخذ من لبنان مدخلاً للانقلاب على الأجواء الوفاقية المحتملة بين إيران والغرب. إذ لا شيء يمنع أن تتبع إسرائيل سياسة مراكمة الذرائع وصولاً الى لحظة عدوانية حاسمة قد تجدها ضرورية على الجبهة اللبنانية.
وفي لبنان مقاومة بوجه اسرائيل، فيما البعض يستقوي بـ «داعش» عليها بعدما يأس من العمل على نزع سلاحها.
في لبنان، بات وداع عام واستقبال آخر مناسبة لتوقع المزيد من التوتر والفوضى والأزمات. وأصبحت الأعوام ظرفاً زمنياً لمراكمة الأزمات كماً ونوعاً. فالقاعدة التي باتت تحكم مسار الحياة العامة لدى اللبنانيين هي أن اليوم أسوأ من الأمس. وسيكون من حسن الحظ إن اقتصر الأمر غداً، على تشابهٍ مع اليوم.