الرئيسية » اخترنا لكم » دلالات تعيين ألكسندر كينشّاك سفيرا لروسيا في دمشق – جورج حداد

دلالات تعيين ألكسندر كينشّاك سفيرا لروسيا في دمشق – جورج حداد

بادرة تحول كبير في الحضور الدبلوماسي الروسي في الشرق الاوسط

في 22 كانون الأول 2014 وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوما عين بموجبه الكسندر الكسندروفيتش كينشّاك سفيرا مفوضا فوق العادة للاتحاد الروسي في الجمهورية العربية السورية.

وفي الوقت ذاته جرى في دمشق احتفال في فندق “الفصول الأربعة”، بمناسبة مغادرة السفير الروسي الحالي عظمت كولمحمدوف لمنصبه، وقام خلاله نائب
وزير الخارجية السوري فيصل المقداد بمنحه وسام الاستحقاق السوري من اعلى درجة، اعترافا بخدماته الكبرى لتدعيم العلاقات الثنائية بين البلدين في
الظروف الاستثنائية الصعبة التي تمر بها سوريا.

وفي كلمته التكريمية قال المقداد: ان القيادة والشعب السوريين يثمنان عاليا ما قام به السفير خلال فترة عمله الدبلوماسي.
من جهته، عبر كولمحمدوف عن الامل في ان الشعب السوري سوف يحصل على الامن والسلام، وانه من الضروري متابعة الحوار المشترك لاجل تسوية الازمة، وان سوريا ستنتصر بمواجهة الهجمات الإرهابية الشرسة. وأشار إلى ان العلاقات الروسية ـ السورية “ينبغي ان تكون مثالا يحتذى في العلاقات الدولية بمجملها”.

من هو ألكسندر كينشّاك؟

• من مواليد سنة 1962كينشاك
• تخرّج من قسم العلاقات الدولية في معهد الدولة في الاتحاد السوفياتي في موسكو سنة 1988
• يتقن اللغتين العربية والإنكليزية
• دخل في السلك الدبلوماسي سنة 1988
• شغل مناصب متعددة في الجهاز المركزي لوزارة الخارجية الروسية وفي الخارج
• في السنوات 2002 ـ 2004 شغل منصب مستشار للسفير الروسي في العراق. ثم شغل منصب القائم بأعمال السفارة مؤقتا في بغداد
• سنة 2006 شغل منصب نائب مدير قسم الشرق الأدنى وشمال افريقيا في وزارة الخارجية الروسية
• منذ 28 كانون الثاني 2008 حتى 4 اذار 2013 شغل منصب السفير المفوض فوق العادة للاتحاد الروسي في دولة الكويت
• وبدءا من 22 كانون الأول 2014 سيشغل منصل السفير المفوض فوق العادة للاتحاد الروسي في الجمهورية العربية السورية

مرتبته:

• سفير مفوض فوق العادة من الدرجة الثانية (من 8 تموز 2004 حتى 4 تشرين الثاني 2011)
• سفير مفوض فوق العادة من الدرجة الأولى (منذ 4 تشرين الثاني 2011)
• حائز على وسام الشجاعة (10 حزيران 2003) لشجاعته وبسالته اثناء تأدية واجباته. وتفيد الانباء الصحفية ان السفارة الروسية في بغداد كانت تعمل
باشرافه على مدار الساعة خلال العدوان الأميركي على العراق
• حائز على وسام “الاستحقاق الوطني” من الدرجة الثانية (16 تشرين الأول 1999، لاسهاماته الخلاقة في العمل لدعم الصداقة والتعاون بين الشعوب)

تقييم عام:

ويمكن للمراقب المدقق ان يقدم الملاحظات التالية:

كينشّاك دبلوماسي فاعل

ـ1ـ ان السفير ألكسندر كينشّاك ليس موظفا دبلوماسيا عاديا، ينتظر تلقي التعليمات كي ينفذها بأمانة. بل ان المامه باللغة العربية، وثقافته الواسعة، ومعايشته للمنطقة ومشاركته الشخصية في مآسيها، واطلاعه على قضاياها، تجعله مؤهلا ليكون مشاركا فعالا ومنفذا خلاقا للسياسة الروسية في المنطقة، لا سيما في هذه المرحلة الحرجة، والمعقدة والحساسة جدا والخطرة جدا. وبهذا المعنى يمكن القول ان موسكو (وزارة الخارجية والكرملين) ستستمع الى ألكسندر كينشّاك، مثلما هو سيستمع الى موسكو. وهذا يعني ان مستوى العلاقة بين دمشق (والمنطقة) وموسكو قد ارتفع الى مستوى نوعي اعلى بكثير من السابق، وان ألكسندر كينشّاك سيقوم بتمثيل المنطقة وإسماع كلمتها في موسكو، مثلما يقوم بتمثيل موسكو في المنطقة.

روسيا نموذج التآخي المسيحي ـ الاسلامي

ـ2ـ ان الدولة الروسية المعاصرة، في ما يمكن تسميته مجازا “مرحلة بوتين”، تعمل كل ما تستطيع لتلافي آثار أخطاء المراحل القيصرية والستالينية والنيوستالينية السابقة. وفي روسيا اليوم يعيش حوالى 25 مليون مسلم، يتمتعون بكامل الحقوق المدنية والدينية التي يتمتع بها جميع المواطنين الروس. وتعمل روسيا لبناء مجتمع منسجم ومتسامح يكون نموذجا لجميع المجتمعات الأخرى. ولهذا فإن روسيا تنظر بجدية تامة الى المعركة ذات الوجه الطائفي والمذهبي في المنطقة العربية والمناطق الأخرى للتواجد الإسلامي، وتعتبر ان هذه المعركة هي ذات تأثيرات سلبية تماما على المجتمع الروسي، ومن حق روسيا بل من واجبها التدخل في هذه المعركة وإيجاد الحلول المنطقية لها، لمنع انتقالها الى الداخل الروسي.

 روسيا لن ترضى باهانة المقدسات المسيحية والمسيحيين في الشرق

ـ3ـ حينما تبنى الشعب الروسي قبل اكثر من الف سنة المسيحية الارثوذكسية للوقوف بوجه الغزو اليهودي والمغولي والصليبية ـ البابوية، كان ينظر نظرة إكبار وتقديس الى الأرض التي ولد وعاش وصلب فيها المسيح. ولم يأت الروس الى الأرض المقدسة غزاة ومستعمرين، بل كانوا يأتون حجاجا لتقبيل الأرض المقدسة. وكان الوف منهم ينذرون ان يأتوا الى الحج سيرا على الاقدام حفاة لعشرات الاف الكيلومترات. والمسيحيون الروس لا يمكن ان ينظروا الان بلا مبالاة الى بعض عصابات شذاذ الافاق، كيف يحطمون الكنائس والاديرة ويدنسون المقدسات ويدوسون الصليب ويخطفون ويقتلون الراهبات ورجال الدين المسيحيين ويغتصبون النساء المسيحيات، في معلولا والموصل وغيرهما من المناطق المسيحية في سوريا والعراق ومصر وغيرها.

ـ4ـ ومن جهة ثانية فإن المسيحيين الروس ينظرون بغضب مكبوت الى التضييق الفعلي على الحج المسيحي الى القدس وبيت لحم وغيرهما من الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين، لان الحجاج المسيحيين عليهم ان يمروا حتما تحت جزمة المحتلين اليهود لفلسطين، الذين ينكرون الدين المسيحي ويحتقرون المسيحيين، وستختم جوازات سفرهم بختم نجمة داود التي تقطر بدم المسيح ويوحنا المعمدان وأطفال بيت لحم الذين ذبحوا يوم ولد المسيح وملايين المسيحيين الشرقيين الأوائل الذين قتلهم اليهود والرومان.

وروسيا المسلمة لن ترضى بجرائم ادعياء الإسلام التكفيريين الروس والاجانب

ـ5ـ ومثلما يأتي الوف ادعياء الإسلام الشيشانيين والالبان والبشناق وغيرهم للمشاركة في ارتكاب الفظائع باسم الإسلام، والإسلام منهم براء، فإن المواطنين الروس المسلمين والشرفاء هم على استعداد لجمع التبرعات والتطوع بعشرات الالاف، وتشكيل الفرق المسلحة بكل أنواع الأسلحة المطلوبة للمجيء الى حيثما تقتضي الحاجة لمنازلة العصابات التكفيرية التي تشوه الوجه السمح للدين الإسلامي الحقيقي، ولسحق تلك العصابات.

روسيا
روسيا

الطاقة في خدمة الشعوب

ـ6ـ ان روسيا المعاصرة تحولت بسرعة كبيرة الى مصدّر رئيسي للنفط والغاز في أوروبا والصين وغيرها من البلدان. وهي تميل الى عدم استخدام المضاربة ولعبة السوق، تارة ضد مصلحة الدول المستهلكة وطورا ضد مصلحة الدول المنتجة، والى انتهاج سياسة متوازنة تضمن حقوق ومصالح البلدان المنتجة والبلدان المستوردة للطاقة، من اجل ضمان التوازن في الإنتاج العالمي وفي التنمية والاقتصاد العالمي بشكل عام. وفي هذا المفهوم لاستراتيجية انتاج وتصدير واستهلاك الطاقة، تلتقي روسيا مع مفاهيم الاجنحة المعتدلة في السعودية ودول الخليج المنتجة للنفط والغاز، مثلما تلتقي في ذلك مع ايران بشكل مميز. واستنادا الى ذلك يمكن لروسيا ان تضطلع بدور هام في التقارب مع تلك الاجنحة وفي التقريب بين دول الخليج العربية وبين ايران والعمل لايجاد استراتيجية تسويق مشتركة بين دول الأوبك والدول المنتجة خارج أوبك وذلك في مصلحة جميع الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة.

البحر الأسود بحيرة روسية

ـ7ـ بعد استرجاع روسيا لشبه جزيرة القرم (التي سبق لنيكيتا خروشوف ان اهداها لاوكرانيا سنة 1954)، ازدادت الأهمية الاستراتيجية للبحر الأسود، الذي تحول الى خط مواجهة مصيرية بين روسيا وحلف الناتو الذي، بواسطة تركيا، وجزئيا اليونان، اللتين هما عضوان في هذا الحلف العدواني، يغلق الباب البحري الوحيد للبحر الأسود، ونعني مضائق البوسفور والدردنيل. وروسيا لن تقبل ابدا باستمرار هذا الوضع. وعاجلا ام آجلا ستعمل على تغيير الوضع الدولي لاسطنبول ومضائق البوسفور والدردنيل وتوسيع المضائق ورفع الرقابة التركية والناتوية عنها، وتحويلها الى ممرات حرة تتمتع فيها روسيا بوضع مميز بوصفها الدولة العظمى الوحيدة المطلة على البحر الأسود.

توجيه تركيا نحو الشرق

ـ8ـ في مطلع كانون الأول 2014 جاء الرئيس الروسي الى انقرة، واعلن عن عزم روسيا على تحويل مشروع أنبوب الغاز القاري المسمى “السيل الجنوبي”من بلغاريا الى تركيا. وسيعطي هذا الانبوب دورا مميزا لتركيا، وهو دور الموزع الرئيسي للغاز الروسي في جنوب ووسط أوروبا، ما يعزز المكانة الأوروبية والدولية لتركيا، و”يشجعها”، بمساعدة الوساطة الروسية، على حل مشاكلها التاريخية مع الشعب الأرمني والشعب الكردي والشعب اليوناني، ومع ايران وسوريا والعراق، والابتعاد عن النفوذ الغربي والتحالف مع إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب، والابتعاد عن دعم العصابات “الاسلاموية” التكفيرية المرتبطة بالمخابرات الأميركية والاسرائيلية، والتخلي عن تحويل تركيا الى قاعدة عسكرية عدوانية أميركية معادية لروسيا وايران وسوريا، والعودة الى الخط الاربكاني لتحويل التيار الإسلامي التركي الى تيار تحرري معاد للامبريالية والصهيونية، والتقارب مع روسيا وايران والبلدان العربية المتحررة من النفوذ الغربي.

روسيا انقذت اليهود من الفناء وإسرائيل قاعدة نووية ضد روسيا

ـ9ـ ان العالم كله يدرك انه لا توجد أي دولة عربية تملك السلاح النووي. وروسيا تدرك تماما ان الأسلحة النووية المكدسة في إسرائيل كانت موجهة ضدا لاتحاد السوفياتي السابق، وهي الان موجهة ضد روسيا، بحجة الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وهذه هي الخدمة الكبرى التي تقدمها إسرائيل لاميركا والناتو. و”السر” الأكبر للصداقة الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية. وروسيا، التي كانت تمثل المدماك الأكبر في الاتحاد السوفياتي السابق، قدمت عشرات ملايين الضحايا وتحملت دمارا لا يوصف في الصراع المميت لاجل القضاء على النازية. ولكن كـ”عرفان بالجميل” على الطريقة اليهودية، فإن الحركة اليهودية العالمية حولت “الدولة اليهودية” إسرائيل الى قاعدة للصواريخ النووية الموجهة لابادة الشعب الروسي الذي انقذ اليهود من الابادة. من هنا تأتي نظرة الغضب الشديد للشعب الروسي تجاه “عرفان الجميل” اليهودي.

روسيا لن تسمح لإسرائيل والغرب بالاستيلاء على النفط والغاز في شرقي المتوسط

ـ10ـ لقد تأكد تماما وجود النفط والغاز في شرقي البحر الابيض المتوسط. ومستفيدة من الدعم الغربي المطلق، ومن التهاء العرب بما سمي “الربيع العربي”، بدأت اسرائيل بالاستخراج. ولتأكيد “يهوديتها” بدأت أولا بالسرقة، أي سرقة الغاز من القطاع البحري اللبناني، المعترف به بموجب القوانين البحرية التي تعتر بها إسرائيل ذاتها. وهناك خطر ان تتفق إسرائيل وقبرص، وبتمويل وتجهيزات فنية وانابيب من قبل شركات أميركية وغربية كبرى، ان تبدأ بانشاء مشاريع استخراج ونقل وتخزين وتكرير وتوزيع ضخمة ذات طابع دولي، ما يؤثر على سوق الطاقة العالمي برمته، ويحول إسرائيل الى ما يشبه السعودية اليوم. واذا ترك الحبل على الغارب كما هو الوضع الان، فإن هذا الاحتمال سيضر حتما روسيا، والدول العربية وايران المنتجة للنفط والغاز، ويضر بالدرجة الاولى أصدقاء روسيا من الدول العربية صاحبة الحقوق وعلى رأسها سوريا ولبنان. وطبعا ان روسيا ستعمل كل ما بوسعها لمنع تحقيق هذا الاحتمال، مع انه يتضمن أيضا احتمال وقوع حرب إقليمية شرسة جديدة.

ان كل هذه القضايا والملفات وغيرها كثير ستدخل في مهمات العمل الدبلوماسي للسفارة الروسية في دمشق. وهذا يعني امرين:

الأول ـ العمل بأقصى سرعة ممكنة لاعادة الاستقرار الى سوريا. أي التخلص نهائيا من عصابات “الفوضى البناءة” الأميركية في سوريا ومحيطها.

والثاني ـ تحويل السفارة الروسية في سوريا الى سفارة فوق العادة قولا وفعلا، أي الى هيئة اركان روسية حقيقية لادارة كل هذه الملفات والقضايا بفعالية.
وتعيين السفير المفوض فوق العادة ألكسندر كينشّاك هو خطوة أولى في هذا التحول ستتبعها خطوات.