الرئيسية » رصد » إعلام “داعش”: سلاح من نوع آخر – بتول عبد الله

إعلام “داعش”: سلاح من نوع آخر – بتول عبد الله

بات الإعلام ركناً أســاسياً في تسليح التنظيمات الارهابية في عصرنا الراهن. تسعى هذه التنظيمات إلى امتلاكه وتوظيفه في حروبها الشرسة، وأصبح لا يقل أهمية لديها عن المتفجرات والقاذفات الصاروخية، حيث يستهدف العقول، باعتبارها الغرض الأساس لتلك التنظيمات الساعية لاستقطاب المزيد من الأنصار.
بعد أن كان زحف جيوش الماضي يُحسب بقرع الطبول، صار يحسب بعدد التغريدات وكثافتها وتفاعل الناس على شبكات التواصل الاجتماعي معها، ونبرة الـ «هاشتاغ» التي تحتويها، و«داعش» ليس جيشاً رسمياً لدولة على الخريطة، لكنه استطاع إيهام الكثيرين بذلك.
إن استعمال التنظيمات المسلحة للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ليس جديداً، غير أن مراقبة وتحليل الخبراء لنشاط التنظيم الإرهابي «داعش» على شبكات التواصل الإجتماعي، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، يظهر لهم امتلاك التنظيم لاستراتيجية تسويق إلكتروني وعلاقات عامة على درجة عالية جداً من الانضباط والتنسيق والتخطيط، إضافة لفريق عمل إعلام اجتماعي تحسده عليه العديد من دوائر التسوّق الإلكتروني في شركات كبرى ووحدات الإعلام الإجتماعي التي تملكها جيوش دول مؤثرة.
الهجوم الذي شنّه «داعش» في العراق، وسيطرته على مناطق شاسعة بدا مباغتاً، إلا أنه لم يأت دون مقدمات، بل قام التنظيم بالترويج المسبق له حسب خطة إعلامية منظمة، تصاعدت مع التقدم الميداني لمسلحيه في حملة متطورة وبالغة التعقيد، مستخدما أكثر أساليب وتكتيكات الترويج الشبكي تطوراً ونجاعة.
يتنوّع ما يمكن تسميته بـ «إعلام التكفير» أو «الأذرع الإعلامية للتنظيمات الجهادية» بحسب ما تصف نفسها، بين مواقع إلكترونية، تتخطى الـ 50 موقعاً تخاطب من خلالها جمهورها من الشباب، وتبث عبرها بياناتها وموادها السمعية والمرئية، وبهذه الطريقة تشجع الشباب – المحبط خاصة – على ارتكاب جميع أنواع الموبقات بتغطية دينية.
ففي الوقت الذي لم يتخطَّ فيه إعلام تنظيم القاعدة وجبهة النصرة البيانات المكتوبة، وبث فيديوهات قصيرة لرسائل مثل: بن لادن والظواهري، وفيديوهات مشوشة تصوّر عمليات قتل في أغلب الأحيان، أصدر تنظيم «داعش» الصيف الماضي، مجلة عالية الحرفية من حيث التقنيات الحديثة والإخراج وتوظيف الصور وجودتها، مستخدمةً أحدث ما تستخدمه مجلات أميركية فاخرة من ورق صقيل وصور ذات ألوان جذابة.
أطلق على المجلة اسم «دابق» وصدرت باللغتين العربية والإنكليزية، وتوزع نسخها المطبوعة، في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، فيما أرسلت نسخا منها عبر الـ «إيميلات»، وأعاد نشرها عدد من المواقع الداعمة للتنظيم.
ويصف كولن كلارك، الخبير في مؤسسة راند الاميركية للأبحاث، مجلة «دابق» بأنها «متجر يتوقف فيه الزبون مرة واحدة للعثور على كل ما له علاقة بالتنظيم».
ويشير اسم المجلة إلى بلدة دابق السورية التي تقع بالقرب من مدينة حلب، ويعتقد أن «داعش» قد اختارت هذا الاسم لما له من علاقة بما يسمّى بـ «مرج دابق»، وهي معركة حربية وقعت بين الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول والدولة المملوكية بقيادة السلطان قانصوه الغوري عام 1516م في قرية «دابق». وبهذه المعركة قضت الدولة العثمانية على الدولة المملوكية في مصر والشام، وأصبحتا ولايتان عثمانيتان وقتذاك. وهذه الرمزية تظهر العلاقة الوطيدة بين «داعش» وتركيا، الأمر الذي يستدعي استذكار تصريحات نائب الرئيس الاميركي جو بايدن الذي قال: «إنّ دولاً حليفة للولايات المتحدة بما فيها تركيا قامت بتمويل وتسليح منظمات «إرهابية» في سوريا».
وراء نجاح «داعش» في استغلال الإعلام الاجتماعي دولاَ ذات نفوذ كبير. توفر له المال الطائل، وتؤمّن كوادر مختصة من جنسيات عربية وغربية، تقوم بتنفيذ خططها الاعلامية بحرفية عالية وتقنيات حديثة.
أضحى الإعلام جزءً لا يتجزأ من حروب «داعش»، تعتمده كوسيلة أساسية لتقديم نفسها كدولة وليس عصابات مسلحة، تزرع الرعب في نفوس الخصوم، وتوهم الشباب بأنها جنة على الأرض.