الأحدث

المقال الذي اشعل هاشتاغ “إذا إستقال الخميس”

كتب حسين أيوب
في خضم أزمة إقتصادية ومالية غير مسبوقة، يترتب على معالجتها أو تركها تتفاقم، مسؤولية أخلاقية تاريخية، تتزاحم المواعيد السياسية. الحكومة عالقة في عنق تفاهمات رئاسية مبددة وكيمياء مفقودة ومخالفات دستورية. لم يعد يفصلنا عن الإنتخابات النيابية سوى سنة وبضعة أشهر وعن الرئاسية حوالي السنتين. هل يمكن فصل هذه المواعيد ـ الإستحقاقات عن بعضها البعض؟

الكل في مأزق. معظم الأكثرية النيابية تستهول خيار حكومة اللون الواحد، إلا أحد مكوناتها. نعم، يروّج جبران باسيل أينما حل لرئيس “حكومته” الشمالي المنابت. حزب الله وحركة أمل يدركان أن ورقة الأكثرية بكل خياراتها لم تعد قابلة للصرف، ليس بالمعنى الدستوري، بل بمنطق الواقعية السياسية والوطنية. الأقلية (النيابية) كانت تملك فرصة الفوز بـ”حكومة مهمة” برئاسة مصطفى أديب، مذيلة بتوقيع الأكثرية، لكن منطق “الجشع السياسي” أعمى الأبصار وجعل الأرقام والوقائع تتداخل، فكان أن تبخرت “الفرصة التاريخية”!

ثمة كلمة تقال. كل حديث عن أكثرية وأقلية بعد 4 آب/أغسطس 2020، لم يعد دقيقاً. لنأخذ مثل التيار الوطني الحر. في موسم “الترسيم البحري”، قرر إعتماد سياسة “التباعد السياسي” عن حلفائه في “الخندق الواحد”. رفض تبني خيارات حزب الله والرئيس نبيه بري التفاوضية. بات “التيّار” يُفضّل التعامل مع الجميع “عالقطعة”.

لم يكن إشهار سيف العقوبات أمراً بسيطاً. الإتفاق ـ الإطار أنعش العونيين في العاصمة الأميركية. لسان حالهم أن رئيسهم جبران باسيل لم يعد في دائرة العقوبات، أقله راهناً. يستوجب ذلك توسيع الهوامش في المرحلة المقبلة. إلا النظرة البرتقالية إلى سعد الحريري لم تتغير. يرفض باسيل أن يكون “طرياً”، كما “الجنرال المحبط جداً” في الآونة الأخيرة.

الإعتبارات الرئاسية تتقدم عند رئيس “التيّار” على ما عداها. لبنان سيدخل بعد شهور قليلة في حمى الإنتخابات الرئاسية، غير أن بعض “الديوك” على “مزبلة السياسة” قررت أن ترهن تموضعها وخطابها وكل ما يلزم من “عدة النصب الرئاسية”، بموقف هذا أو ذاك من فرصها الرئاسية!

ما يسري على “التيّار” ورئيسه ينسحب على القوات اللبنانية وقائدها سمير جعجع. يبحث “الحكيم” عن حليف لبناني واحد، فلا يجده. قد يجد سعد الحريري نفسه، مستقبلاً، حليفاً إنتخابياً لحزب الله وعبد الرحيم مراد وأسامة سعد وحنا غريب، لكنه حتماً لن يضع يده بيد جعجع، طوعاً.

حجم التباعد بين الإثنين بلغ حدوداً غير مسبوقة أقله منذ بدأت رحلتهما قبل خمسة عشر عاماً. مهما حاول الإثنان أو أحدهما، تجميل الصورة أو تنميقها، غير أن الوقائع تشي بعكس ذلك. للأمر تراكماته وخصوصياته ولا يبدأ من عند لحظة تشرين الثاني/نوفمبر 2017 ولا ينتهي في يومنا هذا. لذلك، صار حزب “نادي رؤساء الحكومات” بالنسبة إلى الحريري وزملائه، بمثابة بدل عن ضائع سياسي، بعدما تبخرت كل 14 آذار ولم يبق منها إلا ذكرياتها وصور الشهداء والساحات.

ولو أخذنا وليد جنبلاط، اليوم، نموذجاً، نجد أنه بتموضعه السياسي، صار أقرب من أي وقت مضى إلى نبيه بري. عبثاً يحاول الزعيم الدرزي إيجاد قواسم مشتركة مع آخرين، مثل الحريري وجعجع، ولكنه لا يجدها ولا يبدو أنه “يثابر” في البحث عنها.

مضمون حواره الأخير مع جعجع، في دارة نعمة طعمة، يبرز حجم التناقضات بينهما. جعجع يمضي في المواجهة مع عون وحزب الله “بلا هوادة”، وأي منطق آخر “يؤدي إلى تعويمهما”. فكرة الإستقالة القواتية الإشتراكية من مجلس النواب تهدف إلى تغيير موازين القوى وتبكير موعد الإنتخابات النيابية، ربطاً بسيناريوهات يجري تداولها منذ الآن.

في المقابل، لا يريد جنبلاط أن يسمع بكلمة “مواجهة” أو “إنتخابات مبكرة”. تجربة أيار/مايو 2008 ما زالت ماثلة في الأذهان. أيضاً لا يريد الرجل ما يمكن أن يتسبب له بوجع رأس من “مضارب الخليج”. في الوقت نفسه، يجرّب قدر الإمكان “ضبط النفس” بين حين وآخر، فلا تصل رشقاته النارية إلى بلاد فارس. تموضعٌ يعتقده جنبلاط مفيداً لـ”جماعته”، وقابلٌ لأن يلقى تفهماً عند باقي “الجماعات”، كما عند بعض من يديرون بالهم عليه، عربياً، كالمصريين تحديداً.

هذه الإصطفافات تنسحب على “البيت الشيعي” نفسه. نبيه بري ليس حزب الله ولا العكس صحيح. حركة أمل تجد الكثير من القواسم المشتركة مع جنبلاط وعندما تمد يدها إلى شريك مسيحي، تجد نفسها في العمق أقرب إلى القوات من “التيار”. هوامش بري تتسع وتضيق، تبعاً لبرودة الساحة اللبنانية وساحات الإقليم. نموذج العقوبات الأميركية كان صادماً لا بل أصاب زاوية القلب. في المقابل، لا يقيم حزب الله وزناً للعقوبات إلا من زاوية تأثيرها السلبي على بيئته وليس على بنيته التنظيمية أو منظومته المالية.

هنا، يصح القول إن العقوبات الأميركية والإصطفافات المرتبطة بالإستحقاق الرئاسي، وترابط منظومة مصالح أعضاء النادي السياسي ـ الإقتصادي ـ المالي نفسه، أحدثت كلها حراكاً سياسياً لم يعد يصح من بعده إعتماد التصنيف ذاته للمعسكرات السياسية (8 و14 آذار). يلتقي ذلك مع رغبة جهات عربية ودولية وازنة، أبرزها مصر وبعض الدول الأوروبية الوازنة، بتشجيع ولادة تكتل سياسي وسطي لبناني، قوامه نبيه بري وسعد الحريري ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية، ومن حولهم بضعة شخصيات مسيحية وإسلامية تلتقي مع توجهاتهم إلى حد كبير.

هذه الكتلة ـ وحزب الله ليس بعيداً عنها ـ بمقدورها خوض الإنتخابات النيابية المقبلة، سواء وفق القانون الحالي أو أي قانون جديد، برغم أنه لن يكون سهلا التوصل إليه، ومن بعدها يكون لها أيضاً مرشحها الرئاسي (2022 ـ 2028)، وهو على الأرجح.. من آل فرنجية.

لن تكون وِلادة أية حكومة الآن، أو بعد أشهر، سوى ولّادة مرحلة جديدة من الإصطفافات، ستكون معركة رئاسة الجمهورية في صلبها.. وحتماً لا يريد سعد الحريري، اليوم، رئيساً للحكومة إلا سعد الحريري، وهو لن يعتذر بل يريد أن يحشر باسيل وميشال عون أمام الفرنسيين والشعب اللبناني. ماذا بعد؟

صحيح أن حدث الرابع من آب/أغسطس هو حدث تأسيسي. لبنان ما قبل هذا التاريخ ليس كما بعده. لعل النموذج الأبرز هو النظرة التي يراد تكريسها عند جميع الفئات اللبنانية إزاء حزب الله. تحميل هذا التنظيم السياسي ـ العسكري ـ الأمني مسؤولية ما آلت إليه أوضاع لبنان بكل معنى الكلمة مقابل تبرئة الآخرين.

بالتأكيد، كان حزب الله شريكاً منذ 15 سنة، وهو يملك ما لا يملكه غيره من فائض قوة، وهو الأقوى لبنانياً، بتنظيمه الحديدي وسلاحه وبيئته الحاضنة المتماسكة، ولكنه لا يستطيع أن يحكم لبنان ولا حتى مواجهة طائفة السريان الأرثوذكس أو الكاثوليك. نعم، بمقدوره أن يمنع حكم لبنان من غيره وأن يكرر نموذج تعطيل الإنتخابات الرئاسية حتى ينتخب مرشحه رئيساً للجمهورية.

هل قرر حزب الله الإستسلام في إستحقاق العام 2022 لمرشح يتبناه ويطوّبه على كرسي بعبدا منذ الآن أو بعد فترة وجيزة؟

لا يبدو أن حزب الله بوارد تكرار تجربة ما بعد ميشال سليمان، يوم أعطى ما إعتبرها “كلمة شرف” ألزمته بأن “يمترس” وراء “جبل ميشال عون”. هذه المرة، لن يكون متاحاً أن تشغر كرسي الرئاسة يوماً واحداً. لذلك، سيبقى بعض حلفاء حزب الله قلقون وعلى رأسهم جبران باسيل. أي مرشح رئاسي جدي سيحاول التقرب من حزب الله لنيل بركته، وفي الوقت نفسه، لا بأس من الإبتعاد عنه، ولو بقدر معين، لنيل بركة الأميركيين أو تفادي “الفيتو”. هو مسار متعرج ومعقد، لكن لا بأس من المغامرة في سلوكه.

لائحة المرشحين تضيق وتكاد لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. لا ينفي ذلك أبداً أن تتبدى سيناريوهات غير محسوبة. هل من المحسوم أن المجلس النيابي الجديد المنتخب في ربيع 2022 هو من سينتخب رئيس الجمهورية في خريف العام نفسه؟ ماذا إذا قرر ميشال عون أن يفاجىء الجميع بإستقالته من رئاسة الجمهورية في نهاية العام 2021، علماً أنه لوّح في الأسابيع الأخيرة مراراً أمام أفراد عائلته، بإحتمال إقدامه على الإستقالة؟ ماذا إذا فُرض فرضاً على جدول أعمال هذا المجلس النيابي أن يختار رئيسا للجمهورية لا أن تترك هذه المهمة للمجلس المقبل بكل توازناته وموازينه؟.

الأكيد أننا أمام إحتمال خلط كبير للأوراق. الإنزياحات السياسية التي بدأنا نشهدها في العام 2020 قابلة للتوسع والتمدد. الواقع الإقتصادي والمالي في الشهور المقبلة، قد يفرض وقائع إجتماعية ملتهبة. ربما يقتضي الأمر تفكيراً من خارج “الإنبوكس” الرئاسي. إلى أين يقودنا ذلك؟ لننتظر ونرَ. للبحث صلة.

المصدر: 180post
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق